6 أكتوبر 2009

بعد مرور سنوات عديدة نظرت حولي وتساءلت كيف يعيش شباب هذا اليوم ووجدتني في حيرة ، قلت كيف يعيش هذا الشباب وكيف انتماؤه ، لقد عشت حياتي متيما بحب مصر رغم كل شيء ، رغم معاناة على مدى عمري في بلدي بحثا عن مقدراتي ، وخارج الوطن مدافعا طول الوقت أمام من يذكر مصر وشعبها ليس باساءة ولكن باحترام لا يصل الى المستوى الذي أرتضيه لمحبوبتي .

لم تظهر أغنية أو أنشودة ، لم أجد أهازيج حتى اليوم عبرت عما يتمازج مع نفسي من حب لمصر ، فهي ليست مصر التي في خاطري ، وهي ليست مصر سيد درويش ولا درويش ولا نجم ولا حافظ ولا شوقي، ولا هي مصر التي (شربت من نيلها) ، هي أكثر من ذلك كله ، انه حب (جيني نسبة للجينات) على أقل تقدير .

عملت فيها دؤوبا بكل جد واخلاص لم أنتظر المقابل ، ثم أكرمني الله أن شاركت في حرب الاستنزاف ثم حرب العاشر من رمضان (دون شهرة أو سمعة) في صمت ، وهو ما سأذكره في هذه التدوينة لعل أحفاد لي ينتفعون بما أكتب وينزلوا من السطح الى واقع الحياة بانتماء حقيقي لعل الله يجعل من أحفادي وقرنائهم جيلا ينتمي انتماء حقيقيا لهذا البلد يستحقونه وتستحق منهم ومن كل من عاش في تراب مصر استفاد أم لم يستفد ، فالانتماء الذي أراه الآن هو انتماء مصالح ، الا من بعض شباب أعطوني بصيصا من الأمل سمعت عنهم وصادفت بعضهم ووجدت لديهم حبا واخلاصا لمصر (مصري) . هل أعرف هذا الشباب ؟ لا لا أعرفهم شخصيا ولكنهم رأيتهم وأنا أمشي في طريقي قابلت منهم أناسا يعملون أو يدرسون هنا وبعضهم رأيته في خارج الوطن دعته حاجاته المعيشية لقضاء بعض الوقت خارجها ، بل وقابلت منهم من لم يتحمل البعد عها أياما قلائل فعاد عودا سريعا (محمودا على ما أعتقد) ليتفاعل من أرض هذه البلدة الطيبة .

ولماذا (أحفاد فوق السطح) ، أحفادي صغارا خضرا (كما يقولون)  لا أريدهم أن يعيشوا كل شيء (سطحي) دون انتماء ، لذا وصفتهم (فوق السطح) لعلهم حين يشاركون ويتشاركون في حب هذا الوطن يهبطون من فوق السطح  ويكونوا فاعلين ومتفاعلين في حب مصر .

نعود الى العاشر من رمضان / أكتوبر الحرب والنصر

حدث العدوان المدبر والغاشم من الصهاينة الغاصبين لفلسطين على مصر في عام 1967  وحقق المعتدي الأثيم نصرا على أكبر جيش في المنطقة في سويعات قلائل ، النصر كان على الجيش وليس على الشعب ، فانتصارات الجيوش هي انتصارات في معارك وليس قهرا للارادة .

حدثت هذه (النكسة) والشعب المصري يعيش في قمة الانتماء الوطني والقومي ، وكل فرد في هذا الشعب العظيم يشارك في بناء الوطن (سواء بمقابل مجزي أو ضئيل) فانما كان الشعب المصري يحركه الانتماء الكبير لهذا الوطن وقد كان الجميع الى جانب ذلك يتشاركون في العمل السياسي (الاتحاد الاشتراكي بمؤسساته المختلفة) ، وكانت الدولة متمثلة في زعيمها تعيش مرحلة كبيرة من الزهو (رغم المعاناة التي يتقاسمها كل أفراد الشعب الا فيما ندر) .

وكنت قبل النكسة أعيش حالة الوطنية الجارفة الى جانب عملي في النصر للسيارات في ذلك الوقت وفي ادارة الحاسب الآلي (أو العقل الالكتروني) وكنت مع زملائي مسئولين عن عدد من التطبيقات من أهمها الأجور والمرتبات والحوافز والتي كنا ننفذها على ما يعرف وقتها بالحاسب الآلي ، وأقول أن من أهمها الأجور والمرتبات والحوافز لعلاقتها المباشرة بالعمال والموظفين ليس إلا ، فالتطبيقات الأخرى كانت أكثر أهمية من وجهة نظرنا ، ولكنها ليست مؤثرة بطريقة مباشرة على العمال والموظفين .

لذلك فان وقتي في العمل مستغرق في مجمله ، ولكني أتعجب الآن كيف كنت أجد وقتا لأكون عضوا نشطا في منظمة الشباب وفي اللجنة السياسية لحي حلوان ، وعضوا في الدفاع المدني في الشركة ، وعضوا في الدفاع المدني في حي حلوان ، وعضوا في المقاومة الشعبية التي إنشأت بعد النكسة مباشرة .

وبينما أقلت في أوراقي القديمة وجدت (كارنيها) بالعضوية في الاتحاد الاشتراكي ولا أتذكر كيف كان ذلك .

حدثت النكسة (والحمد لله) وتحول الشعور العام للشعب المصري الأصيل الى الشعور بالمهانة والمرارة ، فكل المقدمات لم يدر بخلد أحد مهما كان أنها سوف تؤدي الى هذه النتيجة المهينة .

تحولت الشركة التي أعمل بها لمساندة المجهود الحربي ، وقمنا في منظمة الشباب بعمل كل ما كان في امكاننا ، وتحول كثير من الشباب الى شعار أن الكلام خير من العمل حتى وصفنا الراحل صلاح جاهين في كاركاتير الأهرام بهذه العبارة الشهيرة (عا عي عو عوم عوم ) ، أي كلام وصريخ ليس إلا . (للأسف فان لغة الكلام أثمرت في المستقبل كوادر مؤثرة في حكم هذا البلد ولا زال بعضهم يعيش ويمارس ، والبعض اآخر انزوى بعد أن حقق ما رغب فيه) .

الشعب يغلي ويشعر بالمهانة والاهانة وليس يشعر بغير أنه يجب أن نزيل هذا الذي حدث مهما كلف من نفس ونفيس وضاعت (الضحكة المشهور بها)  من الشفاه والجميع ينتظر المعجزة ويتطلع الى قيادة هذا البلد لعلها تفصح عماذا بعد ولا مجيب .

وفي العمل السياسي نطلق الشعارات (حنحارب حنحارب حنحارب) وكأننا نذكر بعضنا البعض بما لا ينسى أصلا ، وأحمد الله أن معاناتي النفسية والسياسية لم تطل ، فلا أعلم الى أي إتجاه سوف تأخذني السياسة ، أقول الحمد لله أن كان آخر عهدي بالسياسة هو الحلم الذي تحقق أخيرا في وم 3 أكتوبر 1967 حين وصلني استدعاء للتجنيد بعد أن كنت حصلت على معافاة لعدم الحاجة (لم يصبه الدور) ، كم كانت الفرحة حقيقية حين طلبت للتجنيد رغم أن ذلك أثر علي من الناحية المادية كثيرا ، ولكن كله يهون في حب مصر .

منذ اليوم 4 أكتوبر 1967 قلت وداعا للسياسة (وحتى الآن) وأصبحت مجندا في الجيش المصري ، ومنذ هذا التاريخ  لا بد أن أذكر بعض الذكريات وأتذكرها ، لن أخوض في تفاصيل حياة مجند على مدى أكثر من ست سنوات ، ولكني سأتحدث عن المقدمات في كلمات ، ولن أعمد الى تفاصيل ، فذلك تاريخ مضى ولا مجال الآن للحديث عن الذات فلهذا الحديث أهله .

وقد جعلت هذه التدوينة على حلقات رفقا بنفسي وبأحفادي حين يطول الحديث وقد تعودوا على الحياة الخاطفة والوجبات السريعة .

1 person likes this post.

تعليق واحد