إحنا آسفين يا صامتين
من Asser Mattar‏ في 25 يوليو، 2011‏، الساعة 09:00 مساءً‏‏
تنبيه هام قبل القراءة: المكتوب في هذا المقال يعبر عن الرأي الشخصي لكاتبه على البروفايل الشخصي لكاتبه، ومن حقك التعليق والاعتراض ومهاجمة الكاتب وتكفيره وسبه ولكنننننننننننن على بروفايلك الشخصي وليس هنا.

مثلما أنا من حقي التبول في الحمام الخاص بي، فكذلك من حقك التبول في حمامك أو في غرفتك أو من البلكونة على المارة في شارعكم أو في أي مكان تشاء ولكن بعيداً عني، وليس من حقك اتهامي أنني خدشت حياءك لأنك اقتحمت بروفايلي… أقصد حمامي وأنا أتبول.

الحمد لله أنني أشعر بالرضا عن نفسي، وعن آرائي التي يثبت الزمن صحتها، بالرغم من كل ما أتلقاه من آراء وانتقادات وتقريع السادة العالمين ببواطن الأمور والذين يصرون على أن رأيهم هم فقط هو الصائب وأنهم يملكون الحقيقة المطلقة، وأنني ابن ستين في سبعين ومش متربي.

يؤثر حرق الدم والاستفزاز على صحتي النفسية وبدأ مؤخراً في التأثير عليَّ جسدياً أيضاً، ولست على استعداد لتحمل مزيد من الاستفزازات أغلبها من أشخاص لن تختلف حياتهم كثيراً بعدم وجودي فيها، ويتيح موقع الفيسبوك عدة اختيارات لطيفة لمن يتضرر من رأيي أو مني شخصياً، ومنها البلوك والهايد والأنفريند (الريموف) وشكراً.

* * *
جميع رسوم الكاريكاتير في هذا المقال بريشة الفنان البرازيلي العربي الأصل كارلوس لطوف

* * *
إهداء

إلى أرواح الشهداء الذين ضحوا بكل شيء من أجل مصر، وإلى المصابين الذين يعانون حتى الآن، وإلى عائلات كل هؤلاء الذين لم ينالوا حقوقهم المشروعة حتى الآن، بعد ستة أشهر كاملة من بداية الثورة، الثورة التي ستظل مستمرة رغم أنف الفاسدين والعبيد.
* * *
مقدمة

يمكنك تجاوز هذه المقدمة والدخول في الموضوع مباشرة، أو قراءتها لمزيد من الإيضاح، ويمكنك تجزئة قراءة هذا المقال على عدة مرات.

منذ عامين كتبت مقالاً على الفيسبوك منتقداً موقف بعض الأشخاص ممن يطلقون على أنفسهم “ليبراليين” حول حادث الشهيدة مروة الشربيني في ألمانيا، وسخرية البعض أو تحميلها مسؤولية قتلها دفاعاً عن عقيدتها، واستخدام البعض لفظ “شهيدة المرجيحة”، وقارنت بين موقف هؤلاء من مقتل مروة الشربيني، وموقفهم من مقتل الفتاة الإيرانية “ندى” برصاص القمع في طهران، وكيف أنهم انتفضوا غضباً دفاعاً عن الفتاة الإيرانية في حين أنهم اعتبروا “مروة” هي المسؤولة عن مقتلها على يد مجرم عنصري.

وقتها قلت إن المبادئ لا تتجزأ، وإن قتل امرأة لمجرد أنها ترتدي الحجاب (أو لا ترتديه) لا يختلف عن حرق البيوت وترويع الآمنين لمجرد أنهم يختلفون عنك في العقيدة، وأن الليبرالية لا تعني الإساءة إلى معتقدات الآخرين، مثلما أن الإسلام لا يعني الإرهاب أو التفجيرات الانتحارية.

أعجب المقال أشخاصاً كثيرين من كافة الاتجاهات السياسية والفكرية والعقائدية، وازداد عدد أصدقائي على الفيسبوك بشكل مخيف، بعد أن كان لا يزيد على ثلاثمائة أو أربعمائة شخص أغلبهم يعرفونني بشكل شخصي، ولكنني لم أكن أعرف أن هذا سيكون وبالاً بقدر ما هو فرصة لمعرفة شخصيات أضافت الكثير إلى حياتي.

فقد رأيت تقريباً كل شيء منذ ذلك الحين، كل الاتجاهات الدينية من المتطرفين دينياً إلى المتطرفين في الإلحاد، والاتجاهات السياسية بدءاً من أقصى اليسار إلى اليمينيين المتطرفين وأفكارهم الشبيهة بالنازية، ومن يحب السادات ويسب عبد الناصر، ومن يحب ناصر ويسب السادات، ومن يسب الاثنين، ومن لا هم له في الحياة سوى أتفه الأشياء، ومن يضيفني إلى قائمة أصدقائه لاعتقاده أنني ملحد، ومن يضيفني لاعتقاده أنني أتبع اتجاه سياسي أو ديني معين، أو “لتجنيدي” في هذا الاتجاه، ومن لا يعرف ديانتي أصلاً، ومن يضيفني لوجود اهتمامات مشتركة مثل الأدب أو الكتابة أو غيرها، ومن يعرف عني كل شيء ويرى كل شيء بوضوح على البروفايل، بينما يخفي عني كل بياناته وحتى اسمه الحقيقي، ولا أدري لماذا لا أعامله بالمثل.

والحقيقة أنني لست صبوراً بما يكفي لتحمل كل هذا، أو ربما لم أعد كذلك. فقد رأيت الكثير في خلال هذين العامين، وشرفت بمعرفة الكثير من الأشخاص الذين صاروا جزءاً لا يتجزأ من حياتي، واستفدت منهم كثيراً على الصعيد الشخصي والاجتماعي وحتى العملي، ولكن في الوقت ذاته رأيت شخصيات كثيرة وأشياء كثيرة كنت أتمنى ألا أراها، وازدادت الضغوط كثيراً خاصة في مرحلة الثورة وما قبلها بقليل وحتى الآن، ولم أعد أتحمل الاختلاف والاستفزاز من أي شخص.

وربما يكون شهر رمضان فرصة لتوقف الزمن قليلاً وإغلاق الفيسبوك وتنظيف كل شيء، ومحاولة تجنب حرق الدم والاستفزاز ولو مؤقتاً، وكل عام وأنتم بخير.

* * *

بعد تنحي الدكتاتور المخلوع لم أكتب شيئاً تقريباً له علاقة بما يحدث، باستثناء بعض الجمل الساخرة العابرة أو بعض التنفيس الغاضب لما يحدث من استفزاز، باعتبار أن الثورة قد حققت ما تهدف إليه مبدئياً، ولكن يبدو أن الأمور تزداد صعوبة وتعقيداً يوماً بعد يوم.

منذ 25 يناير وحتى الآن لا أرى شيئاً قد تغير، باستثناء أن كل شيء قد ازداد وضوحاً، فالمتطرف صار أكثر تطرفاً، والسلبي صار أكثر سلبية، والعنيف صار أكثر عنفاً، ومن كان يخاف اتهامه بأي شيء يفعله في الخفاء صار يفعله علانية.

الكل يدَّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، والكل يتحدث دون توقف، وهذا حق مكفول لكل مواطن، فنحن في “أزهى عصور الديمقراطية” كما ظلت أبواق إعلام الديكتاتور المخلوع تردد لسنوات عديدة، ونحن في “بلد الأمن والأمان” كما كان يعلن كل القتلة والسفاحين من أفراد العصابة التي كانت تحكم مصر.

ولكن ما يستفزني حقاً هو مصطلح “الأغلبية الصامتة” الذي يستخدمه أي شخص يعادي الثورة والثوار لاستدرار التعاطف، باعتبار أنه يا حرام من ضحايا ما يحدث وهو صامت رغم ما يتعرض له من الثوار الشريرين.

أنا لا أنكر أن هناك بعض الصامتين حقاً، ولكنهم ليسوا أغلبية، وهم صامتون بمعنى الكلمة، ولكنني هنا أتحدث عن كل من يقف الآن ضد الثورة باعتبار أنه كان معها منذ البداية ولكنه الآن أصبح “صوت العقل” الذي يؤيد الاستقرار والحوار والحمار.

* * *

هل أنتم أغلبية حقاً؟

أحتفظ بمصدر هذه البيانات التي استعنت بها من أحد الأصدقاء المتخصصين في الإحصاء وأكتب هنا فقط ملخصاً سريعاً.

بعد استبعاد المصريين خارج مصر وقت قيام الثورة (أو الهجرة المؤقتة) وعددهم يقدر بأربعة ملايين وقد يزيد، غير المهاجرين نهائياً، واستبعاد عدد السكان تحت 19 عاماً وفوق 65 عاماً، واستبعاد العاملين في جهازي الشرطة والقوات المسلحة وعددهم مليونين أو يزيد، يبقى من الثمانين مليوناً 36.5 مليون مواطن، فإذا اعتبرنا أن المشاركين من هؤلاء في الثورة بلغ عددهم 8 ملايين (وهو أقل تقدير) فستكون نسبة المشاركين 22% بالإضافة إلى من شاركوا ممن هم فوق 65 عاماً وتحت 19 عاماً.

أما نسبة من صوتوا للديكتاتور المخلوع في الانتخابات الرئاسية الأخيرة فبلغت 6.3 مليون مواطن من مجموع المقيدين في الجداول الانتخابية وعددهم 31.8 مليون بنسبة 19%، هذا بالطبع إذا استبعدنا تماماً شبهة التزوير والفساد واعتبرنا أن جميع هذه الأصوات حقيقية.

لا تعليق.

* * *

ينقسم هؤلاء “الأغلبية الصامتة” التي لا تتوقف عن الكلام إلى عدة أقسام:

الفاسدين والمنتفعين: وهم بدءاً من كل أتباع الديكتاتور المخلوع وآله وصحبه ومريديه وأعضاء الحزب الواطي ومجلسي النهب والشبورة، والعاملين في قطاعات حكومية مختلفة، ومروراً بالطبقة الطفيلية التي تبدو كالعفن فوق سطح الماء، من الإعلاميين والراقصات والطبالين ولاعبي الكرة والمطربين وغيرهم.

وحقيقة لا ألوم على هؤلاء كثيراً، فالممثلة التي تمتلك من اللحم كمية أكبر بكثير من الثقافة أو التعليم، وفجأة تجد نفسها في العهد المبارك قد صعدت من قاع المجتمع لكي تنال الملايين سنوياً حتى تشرفنا برؤية إمكانياتها في رمضان، من الطبيعي أن تبكي على العهد البائد خوفاً من ضياع السبوبة، ورئيس التحرير الذي كان ينال مليون جنيه شهرياً في دولة لا يجد فيها الأطباء وظيفة بخمسمائة جنيه، من الطبيعي أن يقيم في مكتبه صنماً للحاكم يتعبد إليه ليلاً ونهاراً، وهو جالس في الجاكوزي الذي أقامه في المكتب على حساب الجريدة أيضاً.

ترى هل المحامي المشهور السيد “منتصب مشخور” والذي يخشاه جميع الإعلاميين ويخاطبونه بلقب المستشار، رغم أن تم فصله من القضاء لسوء سلوكه قبل الحصول على درجة مستشار، والذي يرتعد الجميع خوفاً منه كما يرتعدون مما قد ينالهم من أي امرأة رداحة قادمة من الحضيض، هل يمكننا اعتباره من الأغلبية الصامتة أيضاً؟

وإنني كثيراً ما أتساءل، المطرب النحنوح ننوس عين أمه الذي سجل أغنية للديكتاتور المخلوع ثم قام بعد 11 فبراير بتسجيل نفس الأغنية واستبدل فقط كلمة أو اثنتين لتكون الأغنية مهداة إلى الشعب، أسأل نفسي بأي وجه سيلاقي ربه، أو على الأقل كيف يملك القدرة على أن ينظر إلى نفسه في المرآة كل يوم؟

2- الفرافير: وهم من يعتبرون أن الثورة هي السبب في ظهور البلطجية والمجرمين وانعدام الشعور بالأمان، وخصوصاً النساء اللائي يخشين على أنفسهن من التحرش والاغتصاب والسرقة وخلافه. وفي الواقع فإن الرد بسيط للغاية على كل هؤلاء. فالبلطجية كانوا موجودين دائماً وأبداً وكانوا أداة في يد النظام الفاسد للبطش بأي منافس انتخابي أو معارض سياسي، ولكن لأن الفرافير لم يكن لهم أي اهتمام بما يحدث حولهم في مصر، فلم يسمعوا عن وجود البلطجية من قبل لأن “ماليش في السياسة” وبعد قيام الثورة فجأة بقى ليهم في السياسة وأصبحت كلمة “الاستقرار” لبانة لا تتوقف في أفواههم.

وبالنسبة للتحرش والسطو المسلح وغيره، فأرجو أن يجيبني هؤلاء عن السؤال التالي: هل قبل ثورة 25 يناير كانت تجرؤ إحدى فتيات نادي الجزيرة مثلاً على السير وحيدة في منطقة مثل الزاوية الحمراء أو الشرابية؟ هل قبل 25 يناير كان يمكن في الإسكندرية لفتاة من منطقة كفر عبده أن تعبر مزلقان القطار جنوباً وتتجول في شوارع حجر النواتية ليلاً؟ الإجابة بالنفي بالطبع, ولكن لم يكن أحد يهتم بانتشار جرائم السرقة بالإكراه والاغتصاب والمخدرات وغيرها من قبل، لأنها كانت بعيدة عن مؤخراتهم، أما الآن وقد انطلق البلطجية في كل مكان بفضل من أرادوا إخماد الثورة وليس من قاموا بها، فإن الكل يبكي ويطالب بالاستقرار ويعتبر أن الثورة قد سلبتهم الأمن والأمان الذي كان واضحاً للغاية في معتقلات العهد المبارك.

3- الخائفين من الدين والخائفين على الدين: وهم المسلمين الذين تخيفهم المصطلحات المجعلصة مثل الليبرالية والعلمانية والدولة المدنية وخلافه، وغير المسلمين الذين تخيفهم التيارات الدينية وآراء تطبيق الشريعة الإسلامية وغيرها من الآراء.

بعض الإخوة المتدينين لا يرى في كل ما يحدث سوى أنه مؤامرة لتغيير المادة الثانية من الدستور لطمس الهوية الإسلامية لمصر، وأن الدولة المدنية هي أن تخلع أمك الحجاب وتخلع أشياء أخرى أيضاً، باعتبار أن مبارك صلى الله عليه وسلم كان يقيم دولة الخلافة، ولو عثرت دابة في العراق لسئل عنها مبارك، تماماً مثلما ترك المئات يغرقون في البحر الأحمر بينما كان الملايين يحتفلون بفوز مصر بكأس أفريقيا 2006.

لا أحد يتذكر أن في العهد السابق كان النظام قد وصل إلى أقصى درجات التنكيل بأي شخص لمجرد وجود مظاهر التدين لديه.

وقد تلقيت رسالة بالبريد الإلكتروني من شخصية ما، يفترض أنها متعلمة ولديها شهادة جامعية، تقول الرسالة إن الدولة المدنية معناها إباحة الشذوذ وتعاطي المخدرات مثل هولندا، وممارسة الجنس في الشارع إلخ. لك أن تتخيل أن بعض المتعلمين يروجون هذه الأفكار في دولة نسبة الأمية فيها تقترب من النصف.

والإخوة غير المسلمين لا يتذكرون أيضاً أن المسلمين، أو “الضيوف” كما أطلق عليهم أبونا، موجودون منذ أربعة عشر قرناً، ولم تحدث كل تلك المشاكل الطائفية سوى منذ عهد الرئيس المؤمن الذي استعان بجماعات تسييس الدين من أجل التغلب على معارضيه فانقلب السحر على الساحر وقتله في النهاية، ولا يمكنهم إدراك أن هذه الثورة قام بها الشعب المصري ككل، ولو كانت جماعة دينية معينة بالقوة الكافية لتحريك كل هذه الثورة لكانت قد قامت بذلك منذ أعوام.

4- السلبيين: وهم من لا يهتمون بما يحدث طالما أنه لا يؤثر عليهم بشكل شخصي مباشر، من يرى منهم منكراً فيقول “وأنا مالي” وقد صادفت كثيراً من هؤلاء في المجتمع المصري للأسف.

5- حزب المؤامرة: وهم من لا يزالوا مقتنعين أن ما يحدث هو مؤامرة صهيونية إيرانية شيعية ماسونية دقهلية قليوبية لتدمير مصر واحتلالها. وبالتأكيد معهم حق. فالنظام السابق كان كالأسد الهصور في وجه إسرائيل وأمريكا، وشهد هذا العهد أزهى عصور الديمقراطية والنهضة الاقتصادية والسياسية ووصلنا كأس العالم عام 1990. مصر مستهدفة يا جماعة.

* * *

يتميز حزب الأغلبية الصامتة الغير صامتة بخصائص مشتركة تجمعهم جميعاً، فهم لا يقولون إنهم ضد الثورة منذ البداية، ولكنهم يراوغونك لإقناعك أنك مندفع وطائش وإنما هم لك ناصحين.

في بداية الثورة كان يقال إنها فتنة، وتم استخدام النصوص الدينية لإقناعنا بأن الخروج على الحاكم حرااااااااااام حراااااااااااام وأن حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول في وقت الفتنة الزم بيتك، ولم يحدثنا أحد عن حكم الدين في البلطجية الذين كان يتم إرسالهم لقتل المتظاهرين، وعن حد الحرابة في الإسلام وحكم الإفساد في الأرض.

ولن أتحدث عن جهات معينة أكدت عدم مشاركتها في المظاهرات وحين نجحت الثورة ظهرت هذه الجهات في الصورة وأكدت أن الثورة ما كانت لتنجح لولاها. الملايين من الشعب المصري الذين شاركوا في الثورة شاركوا كأفراد يجمعهم حب وطن واحد وهدف واحد هو القضاء على الظلم والفساد والقمع، ولم ينتظروا تلقي أوامر من فلان أو علان.

وتم استخدام جملة “الثائر الحق” للشيخ الشعراوي ملايين المرات في الأشهر الستة الماضية، وهي جملة صحيحة تماماً ولكن يتم استخدامها بشكل خاطئ، فهي تقول إن الثائر الحق يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد، وأنا لا أختلف مع ذلك، ولكن من قال إن الفساد قد تم هدمه؟ ما هو المقياس المستخدم لتأكيد أن الفساد انتهى والثورة نجحت؟

بعد أن فشلت النغمة الدينية بدأت نغمة نظرية المؤامرة، فهي كما قلنا آنفاً مؤامرة إمبريالية ماسونية صهيونية شيعية إيرانية قطرية أمريكية إسرائيلية، واليوم أيضاً انضمت صربيا إلى تحالف إسقاط النظام، حيث أكد اللواء فلان أن حركة 6 أبريل تلقت تدريبات في صربيا وتمويل من هناك للوقيعة بين الشعب والجيش، وفي الواقع أحاول أن أجد أي مصلحة لصربيا أو صلة بينها وبين ما يحدث ولا أستطيع، فهل ذلك يحدث مثلاً لأن الجيش المصري قام بحماية آلاف البوسنيين الذين ذبحهم الصرب في سربرنيتسا منذ قرابة العشرين عاماً؟

وفي الواقع إن هذا التصريح الكوميدي يذكرني بالمثل الشعبي القائل: “إذا كان المتكلم مجنوناً فالمستمع عاقل” فليس هناك تفسير لهذا التصريح العنتري – إن ثبتت صحته بالدلائل – سوى أن الجهة التي ينتمي إليها السيد صاحب التصريح كانت متواطئة مع العملاء الذين تدربوا في صربيا وأمريكا وقطر والموساد وغيرهم من الذين قاموا بخلع الديكتاتور، فهم منذ البداية وفي كل تصريحاتهم قالوا إنهم يؤيدون المطالب المشروعة للشعب المصري والتي بسببها قمنا نحن العملاء بهذه الثورة.

وبالطبع لا يفوتني هنا أن أتذكر المساخر التي كانت تقال على القنوات الخاصة قبل تنحي الديكتاتور المخلوع، حيث كانت تستضيف هذه الفضائيات العشرات من المطربين والممثلين والراقصات لتأكيد نظرية المؤامرة بحكايات تفوق الخيال، من قبيل عمتو عفاف التي أضحكت الشعب المصري بتصريحاتها العبقرية التي فاقت تاريخها التمثيلي كله.

وطبعاً لا ننسى أن أصحاب هذه القنوات أجمعين من أتباع النظام السابق، ومنهم حوت الأسمنت الذي استضاف أحد البرامج في قناته فتاة قامت بتأليف سيناريو كامل عن مؤامرة لتدمير مصر تفوق مسلسلات رمضان، ومنهم أيضاً الأخ الصيدلي أبو شنب بريمة الذي يعتبر نفسه الآن من أقطاب المعارضة برئاسته لحزب من أحزاب الديكور في العهد السابق, وكانت قناته تستضيف يومياً ما لذ وطاب من المطربين والممثلات لسب “المخربين”، وأخيراً وليس آخراً السيد دريم لاند الذي أقصى إحدى الإعلاميات منذ يومين من جنة أحلامه لأنها انتقدت الذات الإلهية للمجلس العسكري.

اتجه بعد ذلك هؤلاء إلى نغمة اللعب على المشاعر والتعاطف مع الديكتاتور باعتباره كبر وعايز اللي يراعيه وما يصحش كده وفين أخلاق القرية، وهو خلاص حينفذ طلباتنا، وما إلى ذلك من التفاهة والسذاجة، وكأن أرواح كل من ماتوا لا قيمة لها، ثم جاءت موقعة الجمل التي كانت بمثابة القشة والبعير في آن واحد.

وحين فشل اللعب على وتر الدين، وفشل البلطجية رغم سقوط آلاف المصابين والقتلى، وفشلت نظرية المؤامرة والأجندات والجواسيس وإحنا آسفين ياريس، وفشلت الأساليب القذرة للهجوم الشخصي على أي شخصية عامة من مؤيدي الثورة، وبعد أن تنحى الديكتاتور، بدأ استخدام أسلوب المعاندة مع الثورة، أي حاجة وخلاص، كل ما يريده الثوار سنقف ضده، وكل ما تهدف إليه الثورة نحن نهدف إلى عكسه، الثوار يرفضون شفيق لأنه فاسد ولأن مبارك اختاره، إذن نحن مع شفيق، إحنا آسفين يا بلوفر، وحين أقيل شفيق بدأ البحث عن أي شيء آخر، كفاية كده انتو عايزين إيه، دي قلة أدب، كفاية خربتو البلد، وكل هذه الآراء الغير مبنية على أي أساس ولا تهدف سوى إلى استفزاز وإحباط من يصرون على تحقيق أهداف الثورة، وحين فشل ذلك أيضاً بدأ اللعب على وتر الاقتصاد والبورصة والسياحة وخراب البلد وخلافه، وحين فشل ذلك أيضاً بدأت نغمة تقديس المجلس العسكري.

وكان واضحاً أنه كلما تمسك الثوار بموقفهم، كلما تحققت أهداف الثورة تدريجياً، ولهذا بدأ الآخرون في اتخاذ مواقف مضادة تماماً وواضحة، ولذلك فهم ليسوا صامتين كما يدّعون، وهنا أكرر مرة أخرى أنني لا أعني الصامتين حقاً والذين يعانون في صمت، ولكنني أعني من يتبجحون بآراء وقحة ومستفزة في كل مكان ثم يعتبرون أنهم ضحية لأنهم من الأغلبية الصامتة.

والآن بعد ستة أشهر من الثورة، تتغير الأساليب أو التفاصيل ولكن تبقى الأساليب القذرة كما هي، فبعض التيارات السياسية اعتبرت أن المجلس العسكري هو الحاكم الفعلي للبلاد، ولذلك قررت بيع بقية الثوار والوقوف في صف المجلس العسكري، الذي تم تأليهه كمبارك الذي لم يكن يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وعادت مرة أخرى الاتهامات بالعمالة تطل برأسها من جديد، واعتبار أن حركة 6 أبريل خونة يتلقون دعماً صهيونياً لتخريب البلاد.

بدأ البلطجية في الظهور من جديد، هذه المرة بحماية من الشرطة العسكرية والأمن المركزي معاً بعد أن صارا “إيد واحدة”، لم يتغير الأشخاص ولكن تغيرت الأساليب، ولحسن الحظ أن كل من يقفون ضد الثورة يتمتعون بالغباء الكافي لإيقاد شعلة الثورة من جديد كلما انطفأت، بحماقة تصرفاتهم.

وبغض النظر عن رأينا في المسيرة التي اتجهت من التحرير إلى العباسية، ومن كان ضدها ومن كان معها، ومن رفضها تماماً، فليس الحل هو استخدام البلطجية لضرب المتظاهرين ثم الإدعاء أن هؤلاء هم “مجهولون” في بعض الأحيان و”أهالي المنطقة المدافعون عن ممتلكاتهم” في أحيان أخرى، عيب أن يستمر التضليل الإعلامي بعد ستة أشهر من قيام الثورة.

فهل هو من قبيل المصادفة أن يتم قبل ذلك بيوم ضرب المتظاهرين أمام المنطقة الشمالية العسكرية في سيدي جابر بالإسكندرية بواسطة بلطجية أيضاً؟

قد يقول قائل إن ما حدث في القاهرة خطأ جسيم بالتحرك من اعتصام التحرير إلى العباسية، ماذا إذن عما حدث في الإسكندرية؟ ولمن لا يعرف فإن مظاهرات الإسكندرية منذ بداية الثورة تتحرك بحرية في شوارع المدينة، والمسيرات السلمية كل جمعة تتحرك من مسجد القائد إبراهيم في وسط المدينة لتتوقف أمام المنطقة الشمالية في سيدي جابر شرقاً، هذا ما كنا نفعله نحن السكندريون كل أسبوع دون أن تحدث أي مصادمات أو اشتباكات.

بل إن السلفيين حين قاموا بمظاهرة منذ ثلاثة أشهر من جامع إبراهيم إلى المنطقة الشمالية تحركوا بكل حرية على كورنيش الإسكندرية وحتى سيدي جابر، كذلك مظاهرات الأقباط أمام مكتبة الإسكندرية والتي تواصلت لعدة أيام في مايو الماضي، فقد مرت بسلام دون أن يعكر صفوها سوى بعض المناوشات الخفيفة من السيارات المارة، فما سر ظهور البلطجية مجدداً هذه الأيام؟ ولماذا يهجم بلطجية على المعتصمين من أهالي الشهداء في حديقة ميدان سعد زغلول في محطة الرمل بالإسكندرية؟ فهل السبب هو أن عجلة الإنتاج في الحديقة قد تعطلت؟ ولماذا بعد القبض على هؤلاء البلطجية قالوا إن من أرسلهم هو خالد خيري نائب الحزب الواطي في مجلس النهب المنحل وصاحب توكيل خط “زيم” الملاحي الإسرائيلي، ثم تراجعوا عن أقوالهم أمام النيابة وقالوا إنهم لا يعرفون شيئاً عن خيري؟

وفي الواقع أنا لا أستبعد أن من ينفق الملايين لمجرد دخول مجلس النهب لتغطية أنشطته المشبوهة، يمكنه إنفاق مزيد من الملايين في محاولة لاستعادة ولو جزء بسيط من السلطة الفاسدة بعد أن أفقدته الثورة أعز ما يملك.

من ناحية أخرى، هل هو من قبيل المصادفة أن تتفق آراء كل من كانوا ينتمون إلى الحزب الواطي المنحل مع آراء التيارات الدينية مع آراء الذين يطلقون على أنفسهم “الأغلبية الصامتة” مع من كانوا يؤيدون مبارك ثم شفيق ثم المجلس العسكري ثم أي شيء ضد الثوار؟

هل هي مجرد مصادفة، أن يكون الاستفتاء هو الإجابة على كل مطلب للثوار؟

نقول إننا نريد حق الشهداء والمصابين، فيقولون الشعب قال كلمته في الاستفتاء لا للمجلس الرئاسي، نقول نريد محاكمة الفاسدين، فيقولون الاستفتاء أعطى الشرعية للمجلس العسكري، نقول إننا نريد إلغاء قانون الطوارئ، فيقولون لا للمؤامرة العلمانية الليبرالية لإلغاء المادة الثانية من الدستور، نقول نريد انتخابات بالقائمة النسبية حتى لا تتاح الفرصة مجدداً للصوص والفاسدين واستخدام الرشاوى والبلطجة، فيقولون لا لتأجيل الانتخابات ونعم للاستقرار، نقول كيف يمكن محاكمة المدنيين محاكمات عسكرية، سواء اللصوص أو قطاع الطرق أو حتى المتظاهرين العاديين الذين تلفق لهم الاتهامات، وفي الوقت ذاته يحاكم الفاسدين ومن خربوا البلد حقاً محاكمات مدنية، فيقولون لا للالتفاف على نتائج الاستفتاء، نقول أين مئات المفقودين الذين لا يعلم عنهم أهلهم شيئاً منذ بداية الثورة وحتى الآن، فيقولون لا للوقيعة بين الشعب والمجلس العسكري.

وهكذا فقد اتفقت أهداف عدة جهات معاً، فالمهم هو اقتطاع جزء من كعكة السلطة مع من بيده الأمر، وهو في الوقت الحالي المجلس العسكري، وقبل المجلس العسكري وقبل التنحي كانت المفاوضات قد بدأت مع عمر سليمان، ولو بقي مبارك لكان مشروع التوريث الآن في أوج نشاطه والمقابل معروف… وأهو كله بثوابه.

ولن أتحدث عن كل الأساليب التي تم استخدامها من أجل أن يخرج الاستفساء بهذه النتيجة، ابتداء من “الدايرة الخضرا بتاعة المسلمين والسودا بتاعة القبط” مروراً بشائعات “اللي مش حيقول نعم الجيش حيقبض عليه” وكلام ربات البيوت ” أنا سمعت ياختي إن لو قلنا نعم الطماطم حترخص بكرة” ثم توزيع الأغذية على الفقراء وختاماً طبعاً بانتصار المسلمين على الكفار في غزوة الصناديق، وأرجو ألا يقول أحد أن كل هذه شائعات وأن الشعب الذي تبلغ نسبة الأمية فيه حوالي النصف كان يدرك جيداً ما يفعله، فأنتم لا تخدعون معارضيكم بهذا بل تخدعون أنفسكم… بالتعبير العامي “بتشتغلوا نفسكم”.

وبالمناسبة، فحتى الآن لم أصل إلى تعريف كلمة “الاستقرار” التي صدعونا بها ليلاً ونهاراً، وهي كلمة السر ضد الثورة منذ البداية، حين هددنا الديكتاتور بفقدانها، فهل الاستقرار هو أن يعود البلطجية إلى منازلهم الآن للظهور في موسم الانتخابات فقط، أم أن الاستقرار هو عودة الحزب الواطي ورجال أعماله للسيطرة على مصائرنا، أم عودة كل مخبر وكل عيل لابس بدلة ميري وفرحان بيها لسب أي مواطن شريف بالأم لمجرد أنه فقير ومالوش ضهر، أو أن يعود المستثمرين الخليجيين للحصول على أراضي مصر مجاناً مقابل زيادة “استثماراتهم” في الحسابات البنكية للوزراء، أو أن تعود مصر لتكون سلة غلال العالم كسابق عهدها وقت الإمبراطورية الرومانية بعد أن تحولت في العهد المبارك إلى أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم، أم أن الاستقرار هو أنكم تتوعدون بالويل والثبور وعظائم الأمور كل متظاهر وكل معتصم ثم تؤيدون النزول في مظاهرات “جمعة الاستقرار” لتهديد وإظهار العين الحمرا لكل من يقف ضدكم، أم أن الاستقرار هو أن أمك تلبس الحجاب أم ماذا بالضبط؟

ليس مطلوباً مني بعد عدة عقود من القمع والجهل والفساد أن أقدس كل ما يقوله فلان لمجرد أنه يرتدي الزي العسكري، وليس لمجرد أن أي سباك أو سائق ميكروباص ذهب إلى الحجاز ليعمل عامين أو ثلاثة ثم عاد بلحية طويلة وثوب قصير أن أعتبره أنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فما أعرفه أن الوحي نزل على محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وليس على محمد حسني مبارك أو محمد حسين طنطاوي أو محمد بديع أو محمد فلوطة أو محمد صناديق يعقوب (لامؤاخذة يا شيخنا، أنا كمان كنت بهزر، وابقى كلملي صحابك في سفارة كندا بالله عليك يجيبولي فيزا هجرة).

وبالمناسبة فمن أعرفهم من السلفيين يتحلون بالروح الحقيقية للدين، وليس كل بلطجي أو مخبر في أمن الدولة أطلق لحيته يقال عليه سلفي.

ليس كل من يخالفك في العقيدة أو في تفسيرك لها تعتبره من الكلاب الأنجاس، فبحسب معلوماتي المتواضعة فإن النبي محمد عليه الصلاة والسلام لم يصف أحداً بذلك، وكان حيياً عف اللسان، فمن هؤلاء حتى يضعون أنفسهم في درجات أعلى من غيرهم؟

أنا أومن بالإله الذي خلقني وخلق لي عقلاً لأعرف به الخطأ من الصواب، وليس من حق أي مخلوق أياً مَن كان تكفيري أو تكفير غيري أو احتكار الدين لنفسه والحديث باعتبار أن لديه تفويضاً إلهياً، خاصة حين تكون لديه أهداف دنيوية “ولن أقول سياسية”، فالإمام علي كرم الله وجهه لم يُكَفِّر الخوارج الذين قتلوه، ولا أعتقد أن أحداً من الأشخاص الموجودين حالياً ويعتبرون الدين حكراً عليهم يجرؤ على أن يقارن نفسه بالإمام علي.

وأعود لأقول ما قلته منذ عامين: ليس من المهم أن أكون مقتنعاً بما تؤمن به والعكس صحيح، وليس مهماً أن أوافقك الرأي في كل شيء، ولكن هذا لن يلغيك ولن يلغيني، ولن يعني أننا لا نعيش جنباً إلى جنب، وإن قتلتك أو قتلتني فهذا لن يغير من الأمر شيئاً.

أعرف جيداً أن المخاض عسير، ولكن مصر تستحق، وأنا موقن من أن الحق والعدل سينتصر في النهاية، فالله هو الحق وهو العدل.

* * *

الأغلبية الصامتة هو الذي لم يصمت عن مهاجمة الثورة منذ بدايتها، ولكنه يطلق على نفسه الأغلبية الصامتة.

الأغلبية الصامتة هو من لديه “حاجة حمرا” دائماً، فكان مبارك الخط الأحمر، ثم أصبح المجلس العسكري الخط الأحمر، والله أعلم ماذا بعد ذلك.

الأغلبية الصامتة هو من يعتبر أن المجلس العسكرى حمى الثورة بالحياد السلبي ويعتبر أن ذلك تفضلاً منه، رغم أن ضباط الجيش الذين قاموا بحماية الثورة من البلطجية والقتلة بالفعل هم الذين تصرفوا بشكل فردي وليس بأوامر عليا، مثل النقيب ماجد بولس الذي أطلق عليه الثوار لقب أسد التحرير (وهو بالمناسبة من النصارى أيها الأخوة المؤمنون) يوم موقعة الجمل.

الأغلبية الصامتة هو “اللي ما بيصدق” حين يسمع أن جهة ما تلقت مبالغ مالية من أمريكا أو الاتحاد الأوروبي أو أي دولة أجنبية، ويملأ الدنيا صراخاً حول ذلك ويتهم الجميع بالخيانة والعمالة، ولكنه يصمت حين يتكلم الآخرون عن المعونة الأمريكية للحكومة المصرية وللنظام السابق الذي كان أكبر طراطير أمريكا في الشرق الأوسط.

الأغلبية الصامتة هو من يستغل جهل الأغلبية الحقيقية محدودة التعليم والعلم والثقافة لتضليلها ومن ثم تحقيق أهداف سياسية باعتبار أن هذا هو رأي الأغلبية.

الأغلبية الصامتة هو من يبكي لانهيار البورصة ولا يبكي لسرقة مصر لعشرات السنين.

الأغلبية الصامتة هو من يستنكر تفجير خط الغاز الواصل لإسرائيل، ولكنه لم يسمع عن المصريين الذين قتلوا بعضهم بعضاً في طوابير أنابيب البوتاجاز منذ عامين.

الأغلبية الصامتة هو من يعتبر أن الملايين الذين ملئوا شوارع مصر لا يمثلونه، ولكنه يعتبر أن الثلاثين شخصاً من الكومبارس الذين تجمعوا لتأييد مبارك أو المجلس العسكري أو أياً كان هم الأغلبية.

الأغلبية الصامتة هو سائق التاكسي الذي يدلي بملاحظات جنسية فجة عن كل امرأة تمر أمامه، ثم يجبرك على سماع آرائه الثمينة في الدين والسياسة وكل شيء آخر باعتباره العالم ببواطن الأمور.

الأغلبية الصامتة هو من يظهر في الإعلام المصري يومياً باعتباره الوحيد اللي بيفهم، ليقول ما يريده من يحركون هذا الإعلام.

الأغلبية الصامتة هو الممثلة التي تهدد بخلع ملابسها قطعة قطعة في ميدان روكسي احتجاجاً على اعتصام التحرير، ولا تخجل من أن المعتصمين في التحرير في عمر أحفادها.

الأغلبية الصامتة هو من ينتفض غضباً لأن جماهير الزمالك أساءت لزوجة لاعب الأهلي عماد متعب، ولا يصدق أن الشرطة العسكرية انتهكت أعراض المعتصمات في التحرير، بل وقد يعتبرهن عاهرات أيضاً ويستحققن ما حدث لهن، باعتبار أنهن ليبراليات علمانيات كافرات.

الأغلبية الصامتة هو من يعتبر أن مظاهرة في ميدان التحرير يوم الجمعة قد أوقفت الحياة، ولكنه لا مشكلة لديه أن يقف في الطريق الدائري أو المحور لمدة ثلاث أو أربع ساعات ليلة الخميس حتى يذهب لسهرة في المهندسين أو في الزمالك.

الأغلبية الصامتة هو من يتضرر من تدمير المولات ولكنه لا يهتم كثيراً بأن هناك الآلاف فقدوا أرواحهم وأبصارهم وصحتهم من أجل أن يعيش هو وأمثاله حياة أفضل.

الأغلبية الصامتة هو من يقضي جل وقته في سب المتظاهرين والمعتصمين في التحرير لتوقف عجلة الإنتاج وتخريب الاقتصاد، ولكنه ينزل مثلهم للتظاهر من أجل “الاستقرار” المزعوم في صورة مبارك ثم شفيق ثم المجلس العسكري ثم أي شخص بيده السلطة ويقف ضد الثوار.

الأغلبية الصامتة هو من يحشر الدين في كل شيء بمزاجه ولكنه لا يلتزم بروح الدين في تعامله مع الآخرين، بمزاجه أيضاً.

الأغلبية الصامتة هو من يعتمد على نظرية المؤامرة لأنها الحل الأسهل في تبرير كل شيء.

الأغلبية الصامتة هو من لا يحاول أن يعرف الحقيقة، هو فقط كالببغاء يردد ما سمعه دون التأكد منه، وكل ثقافته سمعية من مصادر لا تتجاوز سائق التاكسي والإعلام المنحاز.

الأغلبية الصامتة هو من يخرج للتظاهر من أجل أختنا عبير، التي هربت من زوجها وتزوجت عرفياً من صديقها وهي على ذمة الأول، ولا يخرج للتظاهر من أجل سيد بلال وخالد سعيد وغيرهما من ضحايا القمع والتعذيب.

الأغلبية الصامتة هو من يهمه مصلحة الفئة التي ينتمي إليها، سواء كانت حزباً أو طائفة دينية أو جماعة سياسية أو أصحاب مصالح اقتصادية معينة، أكثر مما يهمه مصلحة مصر ككل أو الشعب المصري ككل.

الأغلبية الصامتة هو من لم يصدق أن صنم مبارك وجميع الأصنام المحيطة به قد تحطمت، فأراد صنماً آخر كبديل ووجد ضالته في المجلس العسكري.

الأغلبية الصامتة هو من يعتبر أن الكباري ومترو الأنفاق والمشاريع التي كانت في عهد مبارك هي فضل إلهي من سيادته لأنه كان دافعها من جيب أمه، ولكنه لا يتذكر الكوارث والسرقات التي كانت في عهد مبارك.

الأغلبية الصامتة هو من يعتبر أن الثورة قضت على السياحة في مصر، ولكنه لا يرى أن سائق التاكسي النصاب والبائع اللص اللذين يعتبران السائح مجرد كيس فلوس يؤثران على السياحة، كما أنه يتجاهل أن التوتر الأمني في العاصمة الثانية شرم الشيخ بسبب وجود الديكتاتور المخلوع وآل بيته هناك يؤثران على السياحة.

الأغلبية الصامتة هم الإعلاميون الذين كانوا مع الرصين مبارك، وبعد تنحيه أصبحوا مع الرصين المجلس العسكري.

الأغلبية الصامتة هو من يتهم الثورة أنها دمرت الاقتصاد، ولكنه لا يهتم أن حكومة اللص عاطف عبيد قد باعت مصانع القطاع العام الرابحة بأثمان أبخس من سعر الأراضي التي بنيت عليها هذه المصانع.

الأغلبية الصامتة هو من يكره الثورة والثوار لأنه كان يعيش على الكوسة أو الرشاوى وجاءت الثورة لتحرمه من ذلك.

الأغلبية الصامتة هو من يشكو طوال الوقت من الانفلات الأمني والبلطجية، ولكنه يتجاهل اعتداءات هؤلاء البلطجية على المتظاهرين، بل ويتشفى فيما يحدث أيضاً.

الأغلبية الصامتة هو من يشاهد جريمة اغتصاب تقع أمامه، ويقول “وأنا مالي” مثلما كان يشاهد اغتصاب مصر طيلة الأعوام الماضية.

* * *

عزيزي الأغلبية الصامتة، قل إنك ضد الثورة والثوار ولا تقل إنك من الأغلبية الصامتة.

عزيزي الأغلبية الصامتة، قل إنك من المنتفعين أو الخائفين أو المنافقين، ولا تقل إنك من الأغلبية الصامتة.

عزيزي الأغلبية الصامتة، قل إنك شيطان أخرس لأنك ساكت عن الحق، ولا تقل إنك من الأغلبية الصامتة.

عزيزي الأغلبية الصامتة، لتقل خيراً أو لتصمت، حقاً لتصمت.

Be the first to like.

التعليقات على الصامتة ،،، منقول مغلقة