مدونة دروب

مدونة دروب

الأحلام المؤجلة – سحر المصري

16 نوفمبر, 2011 ضمن تصنيف: درب البنات وسنينها بواسطة Mohammad

كلما قرأَتْ تلك العبارة.. تدمع.. “إن الله جل وعلا لا ينسى الأحلام.. وإنما يؤجّلها”..

تسرح في مخيّلتها طويلاً.. وأحلامي متى تتحقق وقد غزا الشيب المفارق؟! ثم تُربِّتْ على كتف حزنها وتذكِّر نفسها بالآخرة.. إنّ الله جل وعلا هو الأكرم.. وفي الجنّة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. ألم تُؤمِني أن الحياة هي دار لهو وغرور ومرور؟! وهناك دار القرار فطوبى لِمن صبر ولم يشكُ الله وقدَرَه!

ألم تسمعي قول الله جل وعلا إذ يقول: “أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ”.. ألم تفقهي قول الحبيب عليه الصلاة والسلام “عجباً لأمر المؤمن إنّ أمره كله له خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له.” ألم تقرئي للمحاسبي: “مَن عرف الله لم يتّهمه.. ومَن عَقَل عن الله رضي بقضائه”.. فكيف لا ترضين؟!

كلماتٌ على قلّتها.. ولكنها قادرة على إخماد ثورة الحزن واللهفة لمعانٍ تفتقدها.. وعبارات تستمد منها قوة للاستمرار في المسير والثبات!

وتكمل حياتها التي شاء الله جل وعلا أن يمتحنها فيها.. مذ عرفت الإسلام.. وارتضته منهجاً في الحياة.. وزاداً يُغنيها وشريعةً تسطِّر معالم الطريق.. هي نفسها الحياة التي توقفت عقارب الساعات فيها حين بلغت اثنتَيْن وعشرين سنة.. إثر قرار خاطئ أفقدها النطق لسنين طوال.. فعاشت عزلة كرّسها رفضُها لكل ما حولها بعد أن تحوّل الحلم إلى رماد تذرُّه المِحَن المتتالية في عيونها.. وكل محنة تدكّ صرح الأمل دكّا.. حتى انطفأ السراج وانقطع الرجاء إلا بالله جلّ في علاه!

وشاء الله تعالى أن تخرج من محنِها التترى مثقلة بالهموم.. وكلما ألقت عن كاهلها مخلَّفات محنة دخلت محنة أُخرى أفقدتها ما تبقَّى من رغبة في العيش على ضفاف الألم وعلى شفا حفرة من الانهيار!..

وحين تشتد الأزمات وتقوى الحوادث يبزغ نور في الأفق يبشِّر بفجر جديد.. ولا يتحسس ذلك التلألؤ إلا مَن عاقر الظلام طويلا.. وذات قرار.. خرجت من محنها المتتالية.. ممزِّقة الشرنقة.. رافضة الانصهار في أتون الخنوع.. اشرأبت الهمّة في نفسها فبدأت بجمع أحجار الطريق لتبني سلّماً للعلياء.. ولتشقّ طريقاً للهناء.. ولتُثْبِت أنه في المحن.. آلاء!

تشحذ طاقتها.. وتنطلق في دعوتها.. تنشر الخير.. تهدي من يسلك ذلك الطريق أنْ حذارِ.. هنا مطب.. وهناك حفرة.. وهنالك بركان! غير آبهة بكلام يؤذي.. وقلوب تنكِر.. ونفوس تحسد! تمشي نحو الهدف الذي حددته مستعينة بالله جل وعلا.. راضية مَرْضيّة.. وربّك إذا أعطى.. أدهش!

وبين الفينة والأُخرى.. تسترق النظر إلى تلك الأحلام القابعة في عمق القلب والوجدان.. لم تكن تحلم بالكثير إلا أن للقدر شأناً لا تفهمه بنظرها القاصر.. وحكمتها المحدودة! كانت ترغب في قلبٍ يحتويها.. وفكرٍ يلتئم مع فكرها.. وروحٍ تسكن روحها.. وصدرٍ تُلقي عليه الهمهمات والهلوسات فيحِنّ.. ويدٍ تمسك بيدها فتدلها على الطريق إلى الله جل وعلا ليرتقيا معاً في مدارج السالكين.. فيخدمان هذه الدعوة معاً.. ويذكران الله جل وعلا معاً.. ويتهجدان معاً.. ويخضّبان جسديهما بدماء الشهادة معاً.. ويذرفان دموع الشوق.. لرؤية وجه الرحمن جل وعلا في جنّة عالية.. وللشرب من يد الحبيب عليه الصلاة والسلام عند الحوض.. فما أُحَيْلاها من أحلام بأن تلتئم الأرواح والأجساد والقلوب!

وكما في كل مرة.. تعود من استراق النظر ذاك بخُفَّي حُنين.. ولكنها لم تفقد الأمل يوماً.. وظلّت تردد.. إنْ عزّ اللقاء في هذه الحياة.. فلا بد من أن يتحقق في الجنان!

عشرون عاماً مضَيْن وهي على هذه الحال.. حتى أتت البشرى.. وتحقق الحلم.. وأهداها ربها جل وعلا أروع هدية لطالما شغفت بها!..

كيف يمكن أن يختصر رجل واحد كل تلك الأحلام؟! أتى وبيده مهرها.. مصحف هو شريعة الأمر لِيتّبِعَاها! جاء بحفنة من أحلام الأمس البعيد التي لم تفارق وجدانها يوماً.. فأهداها كل ما لديه.. القلب والروح والجسد.. والعقل والعلم والنفس.. والتوق إلى خدمة الدعوة والشريعة والإسلام بكل قوّة وقدرة.. والرغبة بالتعبد وبالتفقه وبالتودد.. وبنقابٍ ولِهَتْ به يوم تعرّفت على الدِّين ورغبت فيه فلم يتيسّر! فكانت كلما رأت منتقبة أطرقت الرأس وتفكّرت: أتُراني لا أستحقه لذنبٍ أصبته؟!!

كان تحقيق أحلامها من خلال ارتباطٍ واحدٍ أبعد من أن يتصوّر عقلٌ حصولَه.. وتحققت الأحلام بعد عشرين عاماً! كان الانتظار طويلاً جداً ولكنه استحق! وكانت الضريبة باهظة جداً ولكنها هانت لقاء ما حصلت عليه..

وبدأت اليوم مشوارها مع خلِّها الوفيّ.. في درب الدعوة والعلم والعبادة.. كل شيء بات له طعم آخر.. أشهى!

وأيقنَت أن تلك الأعوام بكل مرارتها وجفافها ساهمت في تكوين شخصيتها التي أحبّها فرغب بها.. وعلمت أن القهر مهما تمادى فلا بد أن ينكسر أمام الصبر والإيمان بأن القادم أجمل! وأنه مهما تكبّد المرء الضغوط فإن عاقبة العناء بشرى! وعقب كل بلاء.. إرثٌ عظيم! ولكلّ أمرٍ حكمة! ولا قنوط أو يأس مع الإيمان بالله جل في علاه!

ثم عادت لتلك العبارة التي قرأتها يوماً “إنّ الله جل وعلا لا ينسى الأحلام.. وإنما يؤجّلها!”..

سجدَتْ شكراً لربٍّ كريم.. وتمتمَتْ: “أحمدك ربّي.. حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه يليق بجلالك.. سبحانك.. لا أُحصي ثناءً عليك كما أثنيت على نفسك.. إلهي قد رفّ قلبي لزوجي الذي أهديتنيه.. وانتعَش.. فأدِم نِعمك وأتِم فضلك علينا.. وثبِّت قلوبنا على الطاعة والحب!.. آمين..”

ثمّ يمّمت قلبها شطر زوجها الحسن وقالت “أحبك.. يا أنا!”…….

1 person likes this post.

التعليقات على الأحلام المؤجلة – سحر المصري مغلقة

ابنتي التي لم ألدها

23 سبتمبر, 2009 ضمن تصنيف: درب البنات وسنينها بواسطة Mohammad

استقر في أذهاننا أن كلمة ولد المنسوبة الى الرجل غير صحيحة ، والحقيقة أننا نقول أن زيد ولد عمرا ، والمقصود هنا ليست الولادة ولكن مدلول الكلمة يشير الى النتيجة وهي أن زيدا هو والد عمر ، فاللغة العربية تشير الى عدة معاني في كلمة واحدة فعندما نقول أن زيدا ولد عمر أي أن زيد تزوج وكانت نتيجة هذا الزواج أن زوجة زيد ولدت ولدا أسموه عمرا وهكذا ، للفائدة أيضا فان لفطة زوجة مستحدثة فان اللغة تطلق على الرجل زوج المرأة كما أن المرأة زوج للرجل بدون تاء التأنيث  ، نعود الى حكاية ولد فلان لنجدها موجودة في السيرة النبوية لابن هشام كما في المثال التالي :

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : فَوَلَدَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَيّدَ وَلَدِ آدَمَ مُحَمّدَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ . وَأُمّهِ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضْر ِ .

نعود الى حكاية ابنتي التي لم ألدها ، فقد كنت أسير الى جانب نهر النيل فيما يعرف “الكورنيش” أو ضفة مهيئة من ضفاف النيل ، فشاهدت فتاة لعلها لم تكمل العقد الثاني من عمرها ، تقف ووجهها الى مياه النيل ، واضعة أحد كفيها الى ذقنها متأملة ، لا علاقة لها بالدنيا وما فيها ، سابحة في ملكوت لا يعلمه الا الله ، وعندما عدت بعد فترة وجدتها في نفس الموضع ، تقف نفس الموقف دون حراك ، حتى ليخيل اليك أنك تنظر الى تمثال لا حراك فيه  ، شدتني هذه الحالة اليها ، جلست قريبا منها ، أتأملها قليلا حتى أرى ان كانت تتحرك ، أم أنها تمثال فعلا ، وقلت لعلها تمثل دورا أمام كاميرا خفية مثلا ، ولكنها أبدا لمم تتحرك ، وكان وقت الغروب على ما أذكر ، والجو يميل الى البرودة قليلا ، والمكان يبدو خاليا الا من بعض المارة عابري السبيل أو الطريق .

مرت باخرة نيلية أمام الفتاة وأطلقت صفارتها ، فانتبهت الفتاة واستدارت وكأنها انتهت من تأملاتها فلمحتني أنظر اليها ، تأملتني ، ولعلها وجدت الشيب الذي تسلل الى شعري فلم تجفل ، ابنتدرتها قائلا : هوني عليك يا ابنتي

قالت : لا عليك يا أبت فما بي من خطب جلل ولكنها لحظات اختلسها بين الفينة والأخرى اتخلص فيها من همومي بين النهر والسماء والفضاء الفسيح لعلني أستطيع العيش واكمل المسيرة

قلت : ما هذا يا ابنتي ، انك تبدين صغيرة على الهموم ، أنت في مقتبل العمر ، ولم تبدئي حياتك بعد

قالت : يا أبتاه ، لا أدري لماذا أناديك أبتاه ، رغم أني لا أعرفك وقد لا أعرفك ، ولكني رأيت فيك صورة لجدي الذي لحق بأمي رحمهما الله

قلت : يا ابنتي ، ان ورائك لشأن ، أن أردت فانا حاضر قد أسدي لك نصحا

قالت : لا أدري إن كانت هناك نصيحة لمن هو مثلي ممن أجلهم مثلك ، لكني أجدني مدفوعة لأقص عليك بعضا مما أعيشه ، فمنذ عشر سنوات وتحديدا العام الذي رحلت فيه أمي وجدي أيضا ، لم أتحدث مع قريب أو بعيد وليس لي صديق أو صديقة ، لا اختيار لي في ذلك

قلت ودمعة أغالبها : جعلت الأمر صعبا ، هات ما عندك

قالت : أسألك سعة الصدر والصبر ، فسوف استرسل وكأنني أتحدث مع نفسي حديثا طالما حدثت به نفسي

لعلك يا أبتي شاهدت عددا من الأفلام والمسلسلات التي تعالج قضايا اجتماعية ومن بينها ممارسات زوجة الأب مع أبناء زوجها ، ولكني على قناعة أنه لا مؤلف القصة ولا كاتب السيناريو ولا المخرج ولا حتى الممثلون عانوا من تلك الممارسات لأن الأعمال التي عرضت كلها بلا مشاعر ولا تعالج معاناة فتاة مثلي ولم تقترب من مشاعرها كانسانة في بداية حياتها ولا أحاسيس دفينة فيها ، لم تعالج ما افتقدته هذه البنت وما حرمت منه وما حرم عليها ، لم تعالج الليالي التي تقضيها الطفلة تعاني الوحدة وقسوة الحرمان .

بدأت قصتي وأنا في الصف الأول “اعدادي” عمري اثنى عشر عاما الا قليلا ، حين تزوج والدي بأخرى لترعاه “وترعاني” كما قيل لي وقتها ، وبعد شهور قليلة وتحديدا بعد نجاحي في نهاية الصف الأول واثناء الاجازة الصيفية ، كان الاجتماع المغلق الأول بيني وبين زوجة أبي ذلك الاجتماع الذي أصدرت فيه زوجة أبي فرمانا بأن كافة أعمال البيت هي من اختصاصي حتى تتفرع هي لزوجها “أبي” ، قلت حاضر ، قالت أنها ستتركني أواصل دراستي مع الجمع بينها وبين أعمال المنزل وشراء اللوزام التي قد تحتاجها ، على أن أتفوق في الدراسة والسنة التي أفشل فيها ستكون آخر عهد لي بالدراسة والمدرسة .

وتم فرض قيود صارمة على البيت ، فانصرف الأقرباء والأصدقاء ، في وقت وسن كنت في أمس الحاجة الى أمي أو أخت تكبرني ، أو حتى صديقة أسألها عما يحدث لي ، وأنتظر الليل لاختلي بنفسي في غرفتي وأبكي طوال الليل ، فما يحدث لي لا أفهمه ولا أجد امرأة تفهمه تحدثني عنه ، ولا يوجد حوار بيني وبين زوجة أبي ، بل كنت أخشى أن أحدثها في أي شأن من شئوني ، فما بالك بشأن لا أدرك كنهه ولا عواقبه .

لم أنه دراستي الاعدادية الا وكان لي أخ يبلغ من العمر عاما ، كانت تخشاني عليه ، هل هذا معقول ؟ وفي الاجازة ، جددت زوجة أبي الفرمان الأول مع اضافة فرامانا آخر ، ولم أنه دراستي الثانوية ، الا وكانت الطامة الكبرى ، فان دخولي الجامعة كان مشروطا رغم تفوقي الواضح بشروط قاسية جدا ، مع التزامي التام بشئون المنزل كلها ، وأخوتي أصبحوا ثلاثة أولاد . الحسنة الوحيدة التي فعلتها أنها سمحت لي بدخول كلية نظرية حتى لا تعوقني الكليات العملية عن التزاماتي المنزلية المتزايدة .

باختصار كانت هذه حياتي ، لا وقت للاستذكار ، لا وقت للصداقات ، لا وقت للترويح عن النفس ، لا وقت لزيارة الأقارب ، بالقطع هي لم تمنعني من هذا كله ، ولكنها تحاصرني بمتطلباتها التي لا تنتهي حتى لا تدع لي سويعات أستذكر فيها ولا حتى أختلي بنفسي ، أنا الآن في السنة الثانية في احدى الكليات النظرية ، استطعت أن أكتري بعض الملابس بعد أن عملت في الاجازة الصيفية في ترجمة بعض المراجع لأحد أساتذتي في الجامعة ولعله كان يقصد مساندتي دون أن يجرح شعوري ، لا لم يعرف قصتي ولكن منظري كان يوحي بالفقر ، رغم أن أبي ميسور الحال .

أحمد الله أن دارنا كانت وسيعة فكان لي ترف أن أستأثر بغرفة لنفسي أستطيع فيها أن أبكي ولا يراني الا الذي خلقني ورحماته واسعة ، فقد استطعت أن أتفوق رغم كل شيء ، وأن أختلس فيها سويعات كل شهر أتأمل فيها ملكوت الله وفضائه الواسع ، وأعود الى البيت إنسانة جديدة فأسجد لله شاكرة على رحمته بي ،

لم تضربني أو تسبني زوجة أبي احقاقا للحق ، ولم تتعمد إيذائي البدني ، أما الايذاء النفسي فاني أتركه الى الله الذي من علي كثيرا وسريعا بالتخلص منه ،

تسألني أين أبوك من كل هذا ؟ في الواقع لا أعلم

قلت : اذهبي يا ابنتي راشدة ، فان الله لا يضيع أجر من أحسن عملا

هرولت الى بيتي والدموع منهمرة  وقد تعلمت الدرس وبدأت أنتبه الى بنات وأولاد زوجتي الأولى يرحمها الله وبنات وأولاد  زوجتي الحالية ، وأخذت أمارس العدالة التي أشعرتني هذه البنت أن عدالة الأب مهما كانت ، فهي في نظر الأولاد منقوصة

نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة

3 people like this post.

4 عدد التعليقات

العقـل زينة

15 أغسطس, 2009 ضمن تصنيف: درب البنات وسنينها بواسطة Mohammad

تنقلت بين الفضائيات بلا هدف ، ملل وتثائب في وقت اليقظة ، برامج بعضها بلا فائدة ، وأخرى تبعث الضجر في نفسي ، وثالثة تؤوي أبواقا وددت لوسألت أحدهم “هل تصدق ما تقول” ، قلت لعل جولة حول الدار سيرا على الأقدام تبدد هذا الملل ، ولكن ، أستوقفتني احدى المحطات الفضائية على فتاة في مقتبل العمر قد تبلغ الخامسة والعشرون أو حول ذلك ، محتشمة جمالها هادئ وليس مبهرا ، ولكن ما استوقفني هذا المنطق الذي تتحدث به .

لا بد قبل أن أسترسل أن أقرر انها محتشمة ولكن دون اسدال أو عباءة أو نقاب وغير ذلك مما قد تذهب اليه أذهان من لم يرها .

سألها المحاور : ما رأيك في انتشار العنوسة ؟

قالت : منتشرة هي بسبب الظروف الاقتصادية والتفكك الاجتماعي والانماط السلوكية الطاردة لفكرة الزواج منذ البداية ، فالزواج لم يصبح هدفا كما كان من قبل .

سألها المحاور: وما هو السن المناسب للفتاة قبل أن تشعر بدخولها دائرة العنوسة ؟

قالت : ليس هناك قاعدة معينة ولكن سن الزواج تأخر بسبب الظروف التي ذكرتها ، وعموما فان فرصة الزواج تظل متاحة للفتاة حتى الثلاثين ، وذلك بسبب الشروط التي يضعها الخاطب ، بعد ذلك يقل الطلب علي الفتاة ، المشكلة أن عدد الفتيات الصغيرات يكبر بكثير عدد الشبان ، وغالبا تنصرف الفتيات الى العمل لتحقيق الذات وهو ما يذهب بافكارها بعيدا عن دائرة الزواج ، وحين تنتبه تجد نفسها حول الثلاثين من العمر .

سألها المحاور: وماذا تفعلين اذا بلغت هذه السن دون أن تتزوجي ؟

قالت : سألت نفسي كثيرا هذا السؤال ، الفتاة ليس لها أن تختار الزوج أو أن تعرض نفسها للزواج ، فهذا أمر لا يقره العرف السائد في مجتمعنا ، رغم الحداثة التي نحن فيها ، في الماضي السحيق ، عرضت سيدة نفسها على عبدالله بن عبد المطلب ، ولم تجد في نفسها غضاضة ، بل لقد ألمحت سيدة النساء الى سيد الرجال “صلى الله عليه وسلم” لكي يتزوجها ولم يكن في هذا عيبا ، أما الآن فالأمر مختلف ، والشاب يرفض هكذا فتاة .

سألها : تقصدين سي السيد

قالت : ليت الأمر هكذا ، عموما لقد فكرت في الأمر مرارا ، أقصد احتمال أن أصل الى سن العنوسة دون زواج ، فقت لنفسي ماذا أنت فاعلة .

تحولت عن ذلك الأمر الذي لا حيلة لي فيه ، تخيلت الوحدة التي يمكن أعيشها ، الحرمان ، وغير ذلك من متطلبات الحياة مع الآخر ، وقلت لنفسي ما هو الحل . فكرت في حياتي ، ما هي ؟ هي عدد من السنين وبعدها هناك الحياة الأخرى وهي بجد المستقبل الخالد ، فما بين الموت والبعث ، ماذا ينفعني ؟ وهنا تذكرت الحديث الشريف ،

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

“إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية. أو علم ينتفع به . أو ولد صالح يدعو له

حديث صحيح رواه مسلم

تذكرت هذا الحديث ، فقلت في نفسي “على اعتبار أني لن أتزوج ولن أتعهد ولدا ليكون صالحا يدعو لي” فلم يتبق الا اثنين الصدقة الجارية ، والعلم الذي ينتفع به” ، قد يعوزني المال ولا أستطيع أن أجعل صدقة جارية ، ولكن العلم هو الأمل ، هنا يجب أنهل من العلم ومنابعه لاترك علما ينتفع به ، واذا شاء الله أن أجني من وراء العلم بعضا من المال فسوف أتمكن من اخراج الصدقة الجارية .

ليكن العلم لي صديقا ومؤنسا فلا أجد وحدة أو وحشة .

أعجبني الذي استوقفني من منطق هذه الفتاة .

محمد يعقوب

Be the first to like.

التعليقات على العقـل زينة مغلقة