هذا الحوار استكمالاً لسابقه ، إذا أحببت قرائته فاضغط هنا .

=============================

ذهبت ركضا الى صومعته ، قيل لي أنه يتفقدني ، قلت نعم فليس في مخيلتي ولن يكون أن يفتقدني أما والأمر كذلك ، فقد هرولت اليه ، وتساءلت بذكاء مني : هل حقا تفتقدني

قال : كنت أتفقدك لنكمل ما بدأنا من حوار

هنا قلت في نفسي لم يجد معه الذكاء ، فقد اختار بعناية أن يقول أنه يتفقدني عوضا عن أن يقول أنه يفتقدني والبون شاسع بينهما

قلت : لم أختف ولم أفتعل ، ولكني ظننت أنك لم تشأ أن نكمل

قال : ولم

قلت : كان سؤالي شائكا ولم أعتذر

قال : ولم تعتذر ولم تعده شائكا

قلت : حسبتني تجاوزت بسؤالي ، فهو أمر فيما أعلم لم تحدث به أحدا

قال : لم يهتم به أحد فلم أهتم

قلت : ولكني لا أجد فاصلا بين ما تنعت به الحب وواقع أمر أنك لم تتزوج

قال : ولكن الحب والزواج لا يجتمعان فالأول وهما ،  والثاني حاجة اجتماعية

قلت : لنقل أن الزواج تشريع والتزام ، يأت الحب بعده واقعا

قال : ما تقوله حبا هو وهم ، هو رغبة في امتلاك الأخر

قلت : لهذا لم تتزوج؟

قال : الحياة علمتني ألا أمتلك ولا يملكني أحدا

قلت : لا أفهم كيف يكون الحب وهما ، والزواج امتلاكا

قال : ما عشته كثيرا

قلت : ولكنك لست شيخا

قال : ليس لسنوات العمر دخلا فيما عشته

قلت : تجاربك كثيرة ، ولا زلت لا أفهم

قال : تحدثنا عن الوهم ، لعلك تريد الحديث عن الزواج

قلت : سمعت ما تقوله عن الوهم ، فهل تبين لي لماذا لم تتزوج؟

قال : أحدثك قليلا عما عشته إن شئت لعلك تعرف

قلت : إن لم أثقل عليك

قال : منذ عقدين أو يزيد ، كاتبا ومحررا ، متألقا ومتأنقا كنت ، محطا لانظار الزملاء والمعجبين ، وكن كفراشات ينجذبن الى الضوء ، لا تظنني معجبا بنفسي ، فذلك ماض أقصه كما أراه لا كما يترائى لي ، لم أسعى اليهن بل هن سعين ، كنت مهذبا لدرجة لا أستطيع أن أصدهن وكانت هذه مشكلتي ، ظننت الأمر في بادئه اقتراب من دائرة الضوء التي أعيشها ، ورويدا اكتشفت أنه محاولة لاحتواء الضوء بمن فيه ، إلاها ، كانت هادئة الجمال ، جريئة ، شعلة من النشاط ، جذابة الحديث بسلاسة ومنطق ، فخيل لي أني أحبها ، راودتها فكانت تزود ولم تبتعد ، عشت في هم كبير ، حتى وجدتني أطلبها للزواج ، فقد اكتملت كل مقوماتها في نفسي ، خاصة وهي نافرة غير مبتعدة ولا منفرة ، فأيقظني من الوهم ما قالت .

قلت : ماذا ؟

قال : قالت :

نفسي أمانة لا أسلمها لمن يستأهلها ، يكون بكرا كما أنا بكر ، أما أنت فاني أعجب بآرائك الجريئة وكتاباتك بأسلوبك الساحر ، أنت لي قدوة في كل شيء ، وأنا لك وهم جميل قد تكون عشت فيه أياما ، وقد يكون هذا الوهم ساعد الى حد ما في ابداعاتك ،  وليس لدي ما أهبه لك كما فعلت الأخريات ، وسوف تظل لي أستاذا ومعلما ، وأبدا لن أكون لك كما تريد ، فلتنس ما قلت عن الارتباط فقد نسيته أنا وكأن شيئا لم يكن ، واستمرت في علاقتها بي وهي تعيش معي دور الطالبة في محراب رسمته لي في نفسها .

قلت : كنت تحبها

قال : هي قالت أني أعيش في وهم جميل

قلت : ولم تفكر أن تتزوج بغيرها

قال : في دائرة الضوء تجارب تبعدك عن التفكير في الزواج ، ومن خارج دائرة الضوء ، أليس كلهن سواء

قلت : هنا التناقض الكبير

قال : وما ذاك

قلت : في دائرة الضوء كانت هناك الحصن المنيع  ، وخارج دائرة الضوء معظمهن يعشن خارج دائرة الشبهات

قال : ومن يضمن لي ؟

قلت : لقد وضعت نفسك بنفسك في دائرة الشك ، وهو مرض عضال لا فكاك منه

قال : من منا لا يشك

قلت : من منا قتتله الشك ؟

قال : كثيرون ، فكيف بك تريدني أن أعيش مع امرأة مجهولة لي

فلت : دائرة الضوء التي زرعت فيها الشوك ماذا يكون قطافها غير الشك

قال : ألم أقل أن الحب وهم كبير

قلت : لعلك تعلم أن المرأة بطبعها حرة كصاحبة الحصن وما تتحدث عنه قلة لا يمكن أن تنسحب على العموم

قال : هل أصبحت فيلسوفا

قلت : نحن ولدتنا أمهاتنا الحرائر  أحرارا

قال : هل تجد فيما أقول طريقا مغلقا

قلت : لقد حاسبتك التلميذة على ماض تعلمه ، فهلا الى أخرى لا تعلم ماضيك ولا تعلم ماضيها

قال : واذا كان لها ماض

قلت : هل تعيش ماضيها أم مستقبلها ؟

قال : تلك مجازفة

مضت سنوات قليلة على هذا اللقاء ، وجمعنا لقاء أفاض فيه الفيلسوف ، فماذا قال ؟

2 people like this post.