تنقلت بين الفضائيات بلا هدف ، ملل وتثائب في وقت اليقظة ، برامج بعضها بلا فائدة ، وأخرى تبعث الضجر في نفسي ، وثالثة تؤوي أبواقا وددت لوسألت أحدهم “هل تصدق ما تقول” ، قلت لعل جولة حول الدار سيرا على الأقدام تبدد هذا الملل ، ولكن ، أستوقفتني احدى المحطات الفضائية على فتاة في مقتبل العمر قد تبلغ الخامسة والعشرون أو حول ذلك ، محتشمة جمالها هادئ وليس مبهرا ، ولكن ما استوقفني هذا المنطق الذي تتحدث به .
لا بد قبل أن أسترسل أن أقرر انها محتشمة ولكن دون اسدال أو عباءة أو نقاب وغير ذلك مما قد تذهب اليه أذهان من لم يرها .
سألها المحاور : ما رأيك في انتشار العنوسة ؟
قالت : منتشرة هي بسبب الظروف الاقتصادية والتفكك الاجتماعي والانماط السلوكية الطاردة لفكرة الزواج منذ البداية ، فالزواج لم يصبح هدفا كما كان من قبل .
سألها المحاور: وما هو السن المناسب للفتاة قبل أن تشعر بدخولها دائرة العنوسة ؟
قالت : ليس هناك قاعدة معينة ولكن سن الزواج تأخر بسبب الظروف التي ذكرتها ، وعموما فان فرصة الزواج تظل متاحة للفتاة حتى الثلاثين ، وذلك بسبب الشروط التي يضعها الخاطب ، بعد ذلك يقل الطلب علي الفتاة ، المشكلة أن عدد الفتيات الصغيرات يكبر بكثير عدد الشبان ، وغالبا تنصرف الفتيات الى العمل لتحقيق الذات وهو ما يذهب بافكارها بعيدا عن دائرة الزواج ، وحين تنتبه تجد نفسها حول الثلاثين من العمر .
سألها المحاور: وماذا تفعلين اذا بلغت هذه السن دون أن تتزوجي ؟
قالت : سألت نفسي كثيرا هذا السؤال ، الفتاة ليس لها أن تختار الزوج أو أن تعرض نفسها للزواج ، فهذا أمر لا يقره العرف السائد في مجتمعنا ، رغم الحداثة التي نحن فيها ، في الماضي السحيق ، عرضت سيدة نفسها على عبدالله بن عبد المطلب ، ولم تجد في نفسها غضاضة ، بل لقد ألمحت سيدة النساء الى سيد الرجال “صلى الله عليه وسلم” لكي يتزوجها ولم يكن في هذا عيبا ، أما الآن فالأمر مختلف ، والشاب يرفض هكذا فتاة .
سألها : تقصدين سي السيد
قالت : ليت الأمر هكذا ، عموما لقد فكرت في الأمر مرارا ، أقصد احتمال أن أصل الى سن العنوسة دون زواج ، فقت لنفسي ماذا أنت فاعلة .
تحولت عن ذلك الأمر الذي لا حيلة لي فيه ، تخيلت الوحدة التي يمكن أعيشها ، الحرمان ، وغير ذلك من متطلبات الحياة مع الآخر ، وقلت لنفسي ما هو الحل . فكرت في حياتي ، ما هي ؟ هي عدد من السنين وبعدها هناك الحياة الأخرى وهي بجد المستقبل الخالد ، فما بين الموت والبعث ، ماذا ينفعني ؟ وهنا تذكرت الحديث الشريف ،
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
“إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية. أو علم ينتفع به . أو ولد صالح يدعو له”
حديث صحيح رواه مسلم
تذكرت هذا الحديث ، فقلت في نفسي “على اعتبار أني لن أتزوج ولن أتعهد ولدا ليكون صالحا يدعو لي” فلم يتبق الا اثنين الصدقة الجارية ، والعلم الذي ينتفع به” ، قد يعوزني المال ولا أستطيع أن أجعل صدقة جارية ، ولكن العلم هو الأمل ، هنا يجب أنهل من العلم ومنابعه لاترك علما ينتفع به ، واذا شاء الله أن أجني من وراء العلم بعضا من المال فسوف أتمكن من اخراج الصدقة الجارية .
ليكن العلم لي صديقا ومؤنسا فلا أجد وحدة أو وحشة .
أعجبني الذي استوقفني من منطق هذه الفتاة .
Like