الجزء الأول
مقدمة
مولع بشجرة النسب ، أصلها واستخداماتها ، وانساب بعض القبائل ، وكانت فرحتي غامرة حين حصلت على شجرة مباركة للنسب الزكي لرسولنا الخاتم صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه الشجرة المباركة هناك العديد من الأوراق التي تم التأريخ أو ترجمة سيرة صاحبها ، ولكن الترجمة الأهم كانت لحياة سيد البشر .
وكنت بسبيلي لاعداد شجرة نسب لعائلتنا المتواضعة لعلي أصل الى نسب يضيف الينا ، وهي مهمة شاقة جدا لأن مصادر المعلومات كلما عدنا للوراء تكاد تكون معدومة ، ثم عن لي أمر ، هذا الجهد والعناء لن يترجم لأي من أشخاص هذه الشجرة ، ثم ألست ورقة في هذه الشجرة ؟ ماذا يعرف أهلي عني ، وأقصد بكلمة أهلي الزوجة والأولاد والأخوة وغيرهم ، ثم ماذا أعرف أنا عنهم .
ولأن القول المأثور يدعوني الى أن أبدأ بنفسي ، فقد فكرت في كتابة ترجمة تعتمد على الذاكرة أساسا وبعض الحواشي ان لزم الأمر .
من هنا بدأت في كتابة هذه الترجمة ، وقد تحريت فيها الدقة والأمانة حتى اذا ود أحد من الأهل أن يطلع عليها أو يضيف اليها أو كان له دور فيها ، فسوف يجد مبتغاه دقيقا ، وان لم يجده فيعود ذلك الى عدم دقة المعلومات المتوفرة أو بسبب ابتعادها عن الذاكرة وقت كتابة هذه الترجمة .
وتبتعد هذه الترجمة عن الخوض في الأحداث السياسية الا في لمحات تكتمل بها الصورة للفترة التي أسجل فيها رحلتي في الحياة منذ بدأت في 8 نوفمبر 1946 .
محمد حامد محمود يعقوب
15 أغسطس 2005
أسأل الله أن يتغمد شخوص هذه الترجمة برحمته وأن يتجاوز عن ديونهم وأن يكفر عنهم سيئاتهم وأن يسكنهم فسيح جناته بغير سابقة عذاب ، آمين
كثيرا ما نستخدم عبارة “مسقط رأس” ونقصد بها محل الميلاد ، وقد تبادر الى ذهني مرارا أن هذه العبارة تعني لغة” الموضع الذي تمت فيه الولادة ، ولسنا في مجال تحليل لهذه العبارة ، فان مسقط رأسي هو هذه القرية التي تسمى “أبو الشقوق” والتي تشتهر بمحلج للقطن ، وعند ولادتي أو “سقوط رأسي” في أحد بيوت هذه القرية كانت تتبع مركز كفر صقر التابع لمحافظة الشرقية ، ولكن فيما بعد تم ضم هذه القرية لمحافظة الدقهلية ، وكانت المحافظة أيامها تسمى مديرية الشرقية أيا كان ، فان غاية ما وجدته في ذاكرتي عن تلك الأيام قليل ويتركز في بعض الأحداث التي رسخت في الذاكرة أعتقد لأنها متميزة سواء كانت سارة أو مؤلمة الا أنها في الذاكرة لا زالت ولا تحتاج الى شحذ ، فانها أحداث طالما رددتها فوجدت لنفسها موضع في الذاكرة لا ينسى .
من تلك الأحداث أننا كنا نقطن في منزل مخصص لوكيل البوسطة أو البوستة ”مدير مكتب بريد” قرية أبو الشقوق ، ولمن لا يعرف ، كان وكيل البوسطة في أي قرية أو مركز ، علم ، لما يؤديه من خدمات لأهالي القرية ، بما يعد من أعلام القرية مثله مثل المأمور ورئيس الوحدة الصحية والعمدة والحيكمباشا “رئيس الوحدة الصحية أو المسشئفى العام” .
هذا المنزل مكون من ثلاثة طوابق ، الأرضي مخصص لمكتب البريد والطابق الثاني سكن لوكيل البوسطة والطابق الثالث سطح به بعض الغرف قد تستخدم لتربية الطيور أو لمآرب أخرى . وهذا هو حال معظم البيوت التي تستأجرها هيئة البريد في القرى والمراكز .
عندما كان عمري يتجاوز الثالثة بعدة أشهر ، أذكر أنني كنت مولعا بمشاكسة الطواف ” والطواف هو موزع البريد هذه الأيام” وكان يدعى تهامي على ما أعتقد ، فكنت أنزل من السكن يوميا لكي أفرغ اطارات دراجته من الهواء وأعود فرحا ومنتشيا من هذا الفعل ، ولا أتفوه ببنت شفة عن هذا العمل وقد استمر ذلك طويلا وهو لا يعلم أنني من يقوم بهذا العمل . حتى ضبطني مرة وقد أخذت جزائي من الوالد على ما أذكر .
أذكر أيضا تلك النافذة بين الطابقين الأرضي والثاني وكانت تستخدم من قبل زوج من اليمام وقد قاما ببناء عش لهما حيث تضع الأنثى بيضها ويتناوب الزوجان في احتضان البيض الذي كنت أعبث به وكانت أمي تنهرني حين تعرف .
أذكر أنني كنت مكلفا من الوالدة بالصعود الى السطح في عش الدجاج حيث أقوم بتجميع البيض في “حجر” الجلباب الذي أرتديه ، وأهبط فرحا لأمي ومعي حصيلة البيض التي قمت بتجميعها وسط صياح الدجاج والديكة .
أما الحدث الجلل الذي ما أنفك يظهر على بؤرة الذاكرة بين الفينة والأخرى ، فهو يمثل بالنسبة لي ذكرى مؤلمة الى حد ما ، وتبدأ القصة وأنا لم أبلغ الرابعة من العمر ، وكنت دائما أنزل الى مكتب البريد لأقف بجوار والدي أحيانا أو ألهو في البهو الخارجي أحيانا أخرى ، وفي ذلك اليوم كنت أقف بجوار والدي وبعد أن أغلق الخزينة وضع المفاتيح أمامه فوق المكتب ، قمت بأخذ المفاتيح ووضعتها أسفل المفرش “مفرش موضوع فوق المكتب مصنوع من المشمع السميك” ، وهنا بدأت المشكلة ، فالخزينة موضوع بداخلها (صر) والصر عبارة “عن مظروف مغلق بالشمع الأسود وداخله مبلغ من المال فوق المسموح بتواجده داخل مكتب البريد ، وكان في العادة يسلم لأحد الموظفين في قطار ليقوم بتسليمه للمركز الرئيسي بالقاهرة” ، وطبعا القطارات لها مواعيد وقد اقترب موعد القطار وبحث الوالد في كل مكان عن مفتاح الخزينة ولكنه لم يجده ، سألني عدة مرات وكانت الاجابة واحدة “تحت المشمع” ، فيعود ليضع يده تحت المشمع ولكن مع العجلة كان لا يجده ، ووصل القطار وقد تفهم سائق القطار الأمر فوعد بالانتظار قليلا “كانت الدنيا وقتها صغيرة” وكنا لم نبلغ منتصف القرن العشرين وكان الوقت “بخيره” كما يقولون ولم يكن تعطل القطار عدة دقائق أو ساعات يشكل مشكلة كبيرة ! وانهال والدي علي بالضرب وأنا غير مستوعب ما يجري حولي ، ولكنه في النهاية تركني لكي أحضر له مفتاح الخزينة من تحت المشمع الموضوع على مكتبه وانتهى الأمر بسلام دون أن يضار أبي من مغبة الابقاء على نقود بالخزينة فوق المسموح به ولا زلت أردد حتى الآن “تبا لك أيها الصر” .
ولكن أمي كان لها رأيا آخر عن هذه الفترة ، فقد كانت بالنسبة لها فترة الصبا والهناء ، صغيرة كانت في هذه الفترة ، تلتف حولها نساء القرية خاصة بعد أن وضعت ابنها البكر بعد طول انتظار ، وهنا لا بد من الاشارة الى أن أمي قد تزوجت وهي ابنة الخامسة عشر من العمر وكان والدي وقتها في الخامسة والعشرين من العمر واستمر الزواج لخمس سنوات لم يرزقا فيه بذرية ، ولكم كانت فرحة أمي والعائلة غامرة حين بشرت بالحمل وحين وضعت حملها وكان ولدا أسموه محمدا ، بينما أطلق علي هذا الولد اسم ليلى لمدة ثلاث ليال خوفا من الحسد ولم يتم قيد هذا الولد في مكتب الصحة الا بعد مرور ثلاثة أيام ، وقد حضرت جدتي وعمتي خصيصا انتظارا لهذا الحدث السعيد واستمر مكثهم حول أمي فترة طويلة . وقد كانت فرحة أهل القرية كبيرة ، حامد أفندي وكيل البوسطة (البريد) رزقه الله ولدا ، وتدفقت الهدايا والأطعمة على دار حامد أفندي وكيل البوسطة وخاصة اللبن والزبد والجبن في صورة يومية ولفترة طويلة . كم أنتم كرماء يا أهل هذه القرية ومسقط رأسي .
كانت أمي تعيش سنوات ما قبل الولادة وما بعدها حياة بسيطة ، بيت كبير لا كهرباء فيه كما هو الحال في كافة بيتوتات القرية ، يضاء باستخدام مصابيح الجاز “الكيروسين” ، تمضي الوقت فيما بين القراءة ، قراءة كل ما يحضره اليها والدي من كتب ومجلات ، فقد كانت أمي قارئة نهمة وان لم تقطع في التعليم شوطا مهما ، حيث تركت الدراسة للزواج في سن الخامسة عشر ، انهت التعليم الأولي ثم الراقي وفقا لمسميات ذلك الوقت ولكنها حصلت على قسط مكنها من التهام كل ما يقع بين يديها من كتب وعلى مدى عمرها كله ، ولعلي ورثت قدرا من هذه الموهبة . وكانت أيضا تمضي بعض الأوقات في صيد العصافير ، فكانت تستخدم احدى غرف السطح كمصيدة للعصافير تضع الحبوب داخل الغرفة وتجلس بعيدا حتى اذا دخل قدر مناسب من العصافير سحبت حبلا لتغلق باب الغرفة على تلك العصافير ، ثم تدخل الغرفة لتطارد تلك العصافير بعض الوقت حتى تصاب العصافير بالانهاك فيسهل امساكها .
هناك أيضا جهاز راديو (مذياع) قام والدي بتصنيعه يدويا ويستمد الطاقة من بطارية سائلة تشبه الى حد كبير بطارية السيارة الآن وهوائي فوق السطح وتوصيلة أخرى تسمى أرضي وتدفن تحت الأرض وقطعة بلورية تسمى كريستال ، وكانا يقضيان بعض الوقت في الاستماع لذلك الراديو بتبادل السماعة الوحيدة التي يتناوبا وضعها فوق آذانهما .
أيضا العديد من الزيارات من الأهل ومن أهالي القرية من الصبايا والسيدات اللائي كن يزرنها في معظم الأيام .
ولا أنس قيام أمي بتربية الدواجن في سطح المنزل وقضاء معظم الوقت لمتابعة الدواجن والعصافير وأيضا للقراءة ، ولعلي لم أجد أمي مرة وليس بين يديها كتاب تنكفء عليه نهارا أو ليلا تحت ضوء مصابيح الجاز .
هذا ما أسعفتني به الذاكرة عن مسقط رأسي وما سمعته حول تلك الأيام من أمي ، وغالبا فان مصدر ما أرويه هو الذاكرة أولا ثم روايات أمي بالدرجة الأولى وأحيانا أبي .
وبسبب انتقال أبي للعمل في القاهرة ، حط بنا الرحال للسكنى في حي الامام الشافعي ، ولا أدري على وجه التحديد لماذا انتقلنا للسكنى في هذا الحي ولم يتسن لي أن أعرف لماذا تم اختيار هذا الحي ، أهو لقربه من مكان عمل الوالد في البوسطة العمومية أو في أحد المكاتب القريبة ، كل ما أعرفه أننا انتقلنا للسكن في هذا الحي ولا أتذكر كيف انتقلنا .
السكن كان عبارة عن شقة في الدور الأرضي في أحد المنازل التي يفصلها عن مسجد الامام الشافعي ساحة المسجد ، الشقة على ما أتذكر كانت متسعة ، وكان مدخل الشقة عجيبا ، فلكي تدخل الى الشقة فانك تدخل أولا من باب العمارة الحديدي ليقابلك سلاملك أو عدد من السلالم وبعدها (البسطة) ثم تصعد بعض الدرجات ثم تهبط في المقابل عدد مساو من الدرجات ، لماذا ؟ لا أعلم ، ولا أعرف لماذا توجد تلك الدرجات أصلا اذا كانت لا توصلك لشيء . عندما تدخل من باب الشقة تجد صالة كبيرة بها عدد من الأبواب منها ما هو خاص بالغرف ومنها ما يوصلك الى الحمام وآخر للمطبخ .
كانت صاحبة المنزل تسكن في الدور الذي يعلونا وكانت تدعى الست زوزو على ما أعتقد وكان لديها طفلان يقتربان مني سنا ، وكان يعلو صاحبة المنزل شقق أخرى ، ثم الطابق العلوي عبارة عن سطح متسع بسعة المنزل . أما باب المنزل كما ذكرت فكان حديديا كحال معظم منازل هذا الحي والأحياء الأخرى وقد ذكرت ذلك لقصة سوف نأتي على ذكرها بعد قليل .
قطعا أتذكر الكثير عن الشارع والمنازل المحيطة بمنزلنا ، وقد كانت معظمها تتزين بحدائق صغيرة مثمرة حيث شجر الجوافة والموالح الى جانب بعض المزروعات الى جانب تلك الأشجار وهناك بعض الدكاكين ومنها دكان خضري وفكهاني وحانوت للحلاقة (كانت له معي قصص قد آتي على ذكرها بعد قليل والناحية الأخرى من الشارع ساحة مسجد الامام الشافعي ، وخلفه مقابر الامام الشافعي الشهيرة (والتي تحفل بالأحياء حاليا ، فقد ذهب الأموات الى بارئهم ولا مانع من سكنى القبور طالما ارتضى الناس هذا وخفتت مطالبتهم للحكومات المتعاقبة التي تسكن القصور حتى وان كانوا من غير أهل القصور أصلا !!!) والشارع الخلفي توجد به مدرسة وبعض المحلات لكافة الأنشطة مما يمكنك أن تجده حتى الآن في الأحياء الشعبية التي لم تطالها يد التغيير . في بداية الشارع آخر شريط الترام أو المحطة الرئيسية للترام ، ولطالما كنت ألهو بركوب الترام طوال فترات الانتظار حتى اذا هم بالتحرك كنت أقفز من الترام وأجري أو أركض وراءه بعض الوقت ثم ألهث راكضا في طريق العودة .
هذا هو عالمي الفسيح ، في الشارع كانت لي صداقات مع أقراني منهم ابن المدرس وابن الفكهاني وزميل الحضانة ، وابن الحلاق الذي أتذكر والده أبدا فقد حملني والدي يوما الى هذا الحلاق وقام باجراء عملية الختان لي على عادة أهل الحي ، ولكني شعرت بالمرارة تجاهه ولم تشفع له صداقتي بابنه !
في المنزل كانت لي صداقة حميمة بولدي صاحبة المنزل وآخرين من أولاد سكان المنزل ، وكنا نجتمع على صغر سننا (أقل من خمس سنوات) في أحد الشقق ، أحيانا عندي وأحيانا لدى صاحبة المنزل والتي كانت تضع أمامنا الشهي من الأطعمة والتي كنت أتناولها خلسة وأزيل أثارها حتى لا تعرف أمي أنني تجرأت على الأكل عند الناس (عيب وغير لائق جدا!!!) .
لا أعرف لماذا في هذا السن كنت أتقمص دور الطبيب وأقوم بالكشف على أقراني عندما يكونوا لدي في الشقة وكنا نجلس في “غرفة الجلوس أو الاستقبال” ونغلق الباب وأقوم بالكشف الطبي عليهم وأقرر لهم الدواء ولا أتذكر أنني رأيت طبيبا قبلها ، كما لا يوجد لدينا جهاز تلفزيون ولا أعتقد أنه حتى تلك اللحظة أن هذا الجهاز قد تم اختراعه .
حتى عندما أصابني “برد” ذهبت الى أحد المنازل المجاورة لطلب بعض أوراق شجر الجوافة حيث كانت أمي تغلي ذلك الورق لتحضير شراب مضاد للبرد والكحة هذا بالاضافة الى تدليك صدري بالجاز (الكيروسين) ووضع بعض أوراق الجرائد تحت ملابسي قبل النوم .
أما في الشارع فأقص عليكم وقائع احدى المغامرات التي لا أعرف سببها ولكني كنت أقودها ، فقد جمعت الفريق وقررنا أن نغافل الفكهاني (وهو خضري أيضا) ونختلس بعض الثمار ونقوم بتجميعها في مكان خفي بالشارع ، واستمر العمل بكفاءة تامة لعدة ساعات ، نقلنا خلالها كما لا بأس به من ثمار الفاكهة والخضر ، ولا أدري لماذا ، ولكن الطامة الكبرى أن اكتشف الفكهاني ما نقوم به من عمل ، فذهب الى منزلنا ، وكنت قد هربت الى داخل المنزل ، وطرق الباب ليخرج له والدي وقام بتنميق شكوى كبرى ، وكالعادة انتهى الحادث الجلل بعقاب مناسب جدا” بالكلمات واللكمات و”أنا مش حارمك من حاجة” ، كان هذا مفهوم والدي لهذه المغامرة . ولكني لا أذكر أنه كانت لدينا أهداف استراتيجية أومبررات لهذه المغامرة .
تعرفت هذه الفترة على معنى النقود ، وكانت الوحدة المتداولة ولها قيمة شرائية هي المليم وهنا أذكر مترادفات لهذه العملة مثل النكلة وهي تساوي 2 مليم ثم 20 خردة وتساوي مليمان ونصف ثم التعريفة وهي تعادل خمس مليمات (عشرين فضة) ثم القرش (ساغ أو صاغ) وهو عشرة مليمات ثم القرشان ثم قرشان ونصف (100 فضة) ثم الشلن ويساوي خمسة قروش ثم البريزة وهي عشرة قروش ثم الريال وهو عشرون قرشا ثم الجنيه الذي يتربع على قمة السلم وكانت النظرة للجنيه تصيبك بالشبع ولم لا وهو يساوي أكثر من الجنيه الاسترليني أو الجنيه الذهب على حد سواء . كان هناك تعامل بالنصف مليم أيضا وكان يسمى خردة ، ولعل هواة جمع العملات لا زالوا يحتفظون بهذه الوحدات النقدية .
وقد كنت أمرح حول مسجد الامام الشافعي خاصة عندما كانت تأتي عربات المطافئ للعمل على نظافة المسجد ، وكنا مع مرحنا هذا نلاحظ تجميل حوائط الشوارع بما ينبئ عن حضور الملك فاروق لصلاة الجمعة هذا الأسبوع (ولعل هذا سلوك متأصل في الحاشية سواء في ذلك الملكية أو الجمهورية) ، وكانت أمي تأخذني الى السطح لمشاهدة الموكب الملكي عندما يحضر الملك للصلاة وعندما ينصرف بعد انتهاء الصلاة . وربما أذكر فيما بعد مشاهدتي لناصر والسادات عن قرب ووعي أما مبارك رغم طول فترة حكمه فكان صعبا مشاهدته عن قرب أو بعد ولا أدري لم .
من الأحداث الهامة ولادة أختي زينب في هذا البيت بحي الامام الشافعي ، وكانت خالاتي متواجدات يوم الولادة وأعتقد أنهم أطلقوا علي أختي هذا الاسم لوجود خالتي التي تحمل نفس الاسم ، وكان فريقي المنزلي يجمتع معي في غرفة الجلوس وكالعادة كنت أصف الدواء لحالاتهم المختلفة بصفتي طبيب العائلة .
ذات يوم كنا في زيارة لخالتي التي كانت تسكن في حي المغربلين ، وأيضا كان لمنزلها باب حديد كما سبق القول وكان لها ولد في مثل سني يفصلني عنه عدة أيام ، وكان اليوم جمعة ، وفي يوم الجمعة وفقا لعادات أهل البلد وقتها ، يعود الرجال من صلاة الجمعة لتناول طعام الغداء مباشرة ، ويعود الرجل الى بيته ومعه أكياس الفاكهة أو البلح الحياني والجوافة أو الرطب والأمهات ولا مانع من بطيخة شلين ، وكل تلك الفواكه كانت عضوية دون مبيدات ولا كيماوي لذلك كان يمكن أن تجد بطيخة (قرعة) وهذا لا يحدث في القرن الواحد والعشرون ، فلم تقع عيناي على بطيخة قرعة منذ سنوات طويلة ولا أدري أهي هندسة وراثية أو مبيدات أو كيماوي أو هرمونات لعل الدكتور / يوسف والي الذي تربع على عرش وزارة الزراعة نصف قرن يفتينا في هذا ان كان حيا !
كانت على قدم وساق تجري استعدادات تجهيز الغذاء ، وقد التف النسوة حول بعض مواقد الكيروسين (باجور الجاز) وقد وضعت فوقها حلل “قدور جمع قدر” بها بعضا من زيت الطعام لقلي السمك لزوم الغداء ، بينما وضغت حلة فوق “باجور جاز” آخر لتسوية الأرز . كان هذا اللفيف من النسوة يتألف من خالتي أمينة وأمي وجدتي وحولهم يتقافز بعض الأطفال على رأسهم أنا وابن خالتي “بلبل” .
أرسلت خالتي ولدها “بلبل” لشراء بعض الأغراض لزوم الغداء ، وقد سمحت أمي لي بمرافقته ، وكانت تلك متعة اذ كان ملك المغربلين والدرب الأحمر بالنسبة لغر مثلي حديث العهد بالقاهرة وأحيائها وشوارعها يجهل منها وعنها كل شيء ، وانطلقت مع قائدي “بلبل” الى منتصف الطريق عدوا الى أن وجدني عبئا عليه فقال لي “تعرف تروح لوحدك” ، فأخذتني العزة وقلت “آه” فانطلق هو لغايته وانطلقت أنا اتلمس طريق العودة وكانت الطامة الكبرى . آخذت أبكي منتحيا جانبا من طريق فاقترب مني رجل بجلبابه البلدي “الزي الرسمي” الذي حرم منه شعبنا العريق . وسألني “فين بيتكم” فرددت قائلا “الباب الحديد” !!!
وهنا لا بد من التوقف ، فعالم طفل مثلي لم يبلغ الخامسة من العمر ينحصر بين البيت الذي نسكنه في حي “الامام الشافعي” وله باب حديدي وبين البيت الذي نزوره في “المغربلين” وله باب حديدي أيضا ، بينما كلمة “باب الحديد” تطلق على واحد من أهم ميادين القاهرة في ذلك الوقت ، ولا زال الميدان موجودا ويطلق عليه ميدان رمسيس ، نسبة الى ذلك الملك الذي حكم مصر منذ عدة ألاف من السنين ووجدوا له تمثال حائر ، فقد تم تنصيب التمثال في ميدان باب الحديد ومن يومها سمي الميدان باسمه ، وقد تم فك التمثال لوضعه في موضع آخر ولكن غلبت تسمية الميدان باسمه :ميان رمسيس” حتى اليوم ، ولا أدري هل استقر التمثال في مكان جديد وهل تستقر التسمية أم سوف تتغير لتنسب لتمثال آخر وفقا لرؤى الحاكم “فالعظماء في مصر كثيرون” منذ مينا صاحب التاج ذو الوجهين الى رجالنا الذين لا يلبسون التاج لأن التاج لا يتحمل وجوها كثيرة وقد تخلدهم التماثيل ، ولكن التاريخ لا يرحم !
أخذ الرجل الطيب بيدي وأوصلني الى قسم شرطة الدرب الأحمر وسلمني الى “شاويش” طيب هو الآخر ، وقد اشترى لي الرجل الطيب بعضا من الجزر الأحمر والحمص ونحن في الطريق ، بينما قال الشاويش “خليك قاعد هنا أمك زمانها جاية” وأخذ يطيب خاطري ببعض الكلمات حتى هدأت قليل وكلي ترقب .
على الجانب الآخر تروي أمي أنه بمجرد عودة “بلبل” من السوق سألته “فين ميمي وكان هذا الاسم يطلق عليُ مدة من الزمن” قال لها “رجع من بدري” وكانت هذه بداية رحلة بحث جابت فيها أمي وجدتي معها الحارات المجاورة والشوارع سائلة كل أولاد الحلال وسط دموع سخية عن “عيل تايه” حتى وصلت بعد ساعة طويلة من البحث والعناء الى قسم الشرطة لتجدني وتحملني فوق كتفيها وهي منخرطة في بكاء شديد ! وعادت الى البيت لاستكمال مسيرة العداء .
تعلمت الدرس الأول ، ولازمتني خبرة الحدث طوال حياتي ، فما عدت أترك مكان وفي نيتي العودة اليه الا واستوثقت من طريق العودة قبل الذهاب ، وقد استخدمت هذه الخبرة في رحلة التيه في الحج وقد كانت معي في هذه الرحلة جدتي وعمتي ، وقد أكتب عن هذه الرحلة فيما بعد .
عدنا الى مسكننا في الامام الشافعي بعد هذه الزيارة ، ويستقر بنا الحال قليلا ، وقد التحقت بدار للحضانة تقع خلف المنزل ، وقد كانت المدرسة “الأبلة” ترسلني أحيانا لشراء بعضا من اللب والسوداني في آخر الشارع فانطلق وأعود بسرعة حاملا الأكياس المطلوبة وكل ذلك مقابل نكلة أعطيها للبائع “مليم لب ومليم سوداني” .
لن أعتصر الذاكرة لرواية المزيد عن هذه الفترة الذاخرة من حياة طفل صغير ، ولكننا بعد استقرار دام بعض الوقت وجدتنا نسكن في بيت “محمد يوسف” بالعزبة البحرية في مدينة حلوان الحمامات .
علمت وقتها أنها بلدنا حيث ولد أبي وولدت أمي ، وولدت عماتي كلهن ، وبها خالتي وأخوالي ، وحلوان هذه مدينة لها تاريخ طويل ، ولو رجعنا الى الوراء كثيرا لعلمنا أن الخليفة عمر بن عبد العزيز قد ولد في حلوان ناحية “وادي حوف” ، وقد كانت تمتاز بأنها مشتى ومشفى كما أن بها عدد من عيون المياه الكبريتية والمعدنية وقد كانت مؤلفة من مجموعة من القصور هناك بعض أطلال منها تشهد عليها .
ا

